نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحشر

الجزء ١٨ · صفحة ٤٦١

(سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): (سَبَّحَ للهِ): من التّسبيح، وهو التّمجيد والتّقديس لله تعالى، وتنزيهه عن كل نقص، وهي افتتاحية سورة الحديد، جاء الفعل بصيغة الماضي لأنه تسبيح شكر عما مضى من نعمة إجلاء بني النّضير. (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ): (مَا): موصولة لغير العقلاء تغليبا لأن كل الموجودات تسبح لله بوسائلها الخاصة إما بلسان المقال أو بلسان الحال إجلالا لعظمته وخضوعا لسلطانه، وهو القاهر الغالب في ملكه الحكيم في تدبيره وصنعه وكل ما في الوجود يدل على ذلك ندركه بحسن النّظر والتّأمل.

ونلمس مظاهر تلك القوة والحكمة في ما قضى به لبني النّضير من أهل الكتاب إذ لم يرفوا بعهده كما قال: (هُوَ الذِي أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمُ أَنْ يَّخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُومِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَآ أُولِي الاَبْصَارِ).

(هُوَ الذِي أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ): (هُوَ الذِي): تعريف الجزأين بدل على القصر، أي الله تعالى لا غيره، (مِن): بيانية و (اَهْلِ الْكِتَابِ) هم يهود بني النّضير القاطنين بجوار المدينة، والتّنصيص على أنهم من الذين كفروا فيه الدّليل على انحرافهم عن عقيدتهم، وقوله تعالى: (لأَوَّلِ الْحَشْرِ) اللام للتوقيت، وهي تبين الوقت الذي يبتدئ فيه عمل من الأعمال، ويقصد بالحشر الأول: إخراج الرّسول لهم من ديارهم بعد غدرهم وإجلائهم إلى الشّام وخيبر، وهناك حشر ثان لهم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسيتمّ إخراج لهم ثالث من فلسطين بإذن الله.

٥٬٨٥٨ / ٦٬٧٦٧