نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحشر

الجزء ١٨ · صفحة ٤٧٤

إمعانا في التّهوين من شأن اليهود وأشياعهم من المنافقين في نفس الرّسول والمؤمنين معه، جاء تقرير هذه الحقيقة التي يعلمها الله في نفوس هؤلاء الكافرين لدعوة الإسلام المناوئين لأتباعه بأنهم في الواقع يخافون المسلمين ويرهبونهم بأشدّ مما يخافون الله، وذلك بسبب أنهم عديمو المعرفة بعظمة الله وقدرته وعزّته وقوّة سلطانه على كلّ ما في الكون، فإنّ القلب الخاشع القوي إيمانه لا يعدل في خشيته لله أحدا من خلقه مهما بلغ من الطّغيان والجبروت، ولا شكّ أن إقرار مثل هذه الحقيقة يقوّي عزائم المسلمين في مواجهة أعدائهم.

وقد تجسّدت تلك الرّهبة في أسلوب قتالهم للمسلمين وقد بيّنه الله بقوله: (لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا اِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ اَوْ مِنْ وَّرَآءِ جُدُرِم بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسِبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ).

(لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ): الضّمير المرفوع عائد إلى اليهود وأشياعهم من المنافقين والخطاب للمسلمين، وهم متشابكون مع أعدائهم لا يلقون منهم مواجهة جريئة تدلّ على الشّجاعة والإقدام بل لشدة الرّعب يتخفون في حصونهم المنيعة ويختبئون وراء الجدران، فهم لا يقدرون على قتالكم إلا على تلك الأحوال خوفا وجبنا. ثم شخّص الله حالتهم النّفسية ووضعيتهم الاجتماعية فإذا هي في حقيقتها كما يعلمها الله وبينها للمسلمين تمزق وفرقة وتناحر في القلوب توهن وحدتهم وتفكك شملهم، وإن كانوا يتظاهرون بالتّماسك والوحدة. فإنهم يكيد بعضهم لبعض فيشتدّ النّزاع بينهم لتضارب أهوائهم ومصالحهم، وفي ذلك تحقير لشأنهم واستخفاف، وهو تحذير وتربية للمسلمين من أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء وقد قال الشّاعر:

إن القلوب إذا تنافر ودّها … مثل الزّجاجة كسرها لا يجبر

٥٬٨٧١ / ٦٬٧٦٧