سورة الصّف
الجزء ١٨ · صفحة ٥٠٥قلت: تكررت هذه التّسبيحة الوجودية لله تعالى في مفتتح بعض السّورة وجاءت بالصّيغ الزّمانية الماضي والحاضر والمستقبل كما جاءت بصيغة الأمر للدّلالة على أن تلك التّسبيحات هي من صميم عقيدة الوجود كله تلازمه في كل وقت فيجب على المؤمنين الحاملين لأمانة التّكليف أن يجاهدوا لتركيز تلك العقيدة وأن يقاتلوا المشركين الذين لا يستجيبون لله إذ جعلوا له شركاء في ألوهيته، وقد كتب الله النّصرة لدينه ولو كره المشركون، لأن العقيدة التي يدعو إليها هذا الدين الحق هي التي تنسجم مع عقيدة الوجود كله تسبيحا وتمجيدا لله القويّ القاهر والحكيم في نصحه وإرشاده وفي تدبير شؤون خلقه.
(يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَاَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ):
النّداء بوصف الإيمان يأتي -غالبا- لأمر مهمّ يتعلق بالمجتمع المسلم، وجاء بعده المستفهم عنه مصّدرا بلام التّعليل: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ): أي تقولون مالا تفعلون لأيّ سبب؟؟ … وهو كناية عن اللّوم والتّحذير من ذلك، وهو شأن منكر عند الله، ولذلك جاء الذّمّ الصّريح عن ذلك في قوله تعالى: (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ): والمقت: هو البغض الشّديد وكون ذلك الممقوت عند الله كبيرا هو لتضخيم جرمه وتهويله، لأن خلف الوعد من آية النّفاق كما ثبت في الحديث الصّحيح، وهو يجسّد الأنانية وحبّ الذّات في المتصف به وبالتّالي يضعف الثّقة بين الأفراد والجماعات ويخلّ بالشّهامة والرّجولة، وقد ذمّ الله فريقا من أهل الكتاب يتصفون بذلك فقال: (أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (البقرة:44). وفي مثل هذا المعنى يقول الشّاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وبعد تلك المقدمة التّهذيبية للمجتمع المسلم تجيء الإجابة على طلب معرفتهم لأحبّ الأعمال عند الله إذ قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ): والصّفّ: كتلة من الأشياء تكون متجانسة متراصّة لا خلل بينها، كصفوف المصلّة أو الجيش في ميدان القتال، ومحبة الله للشيء تقابل البغض في الآية السّابقة، فكلتا الآيتين تعنيان بالبناء الأخلاقي لضمير المسلم وتكوين شخصيته للقيام بأمانة الدّين في إطار جماعيّ متراصّ الصّفوف مرصّد الجبهة في مواجهة كل التّحديات الدّاخلية والخارجية، فإذا استقامت شخصية المسلم على الصّدق والنّزاهة والإخلاص فإنه يمض تابت الخطى في تحمّل أعباء نصرة دين الله قتالا وجهادا لأعداء الله ورسوله، والتشبيه لصفوف المقاتلين بالبنيان المرصوص فيه إغراء وتحفيز لمواجهة تلك المواقف التي قد تطرأ فيها لحظات طارئة من الضّعف النّفسّي أمام مشاق القتال فلا يعصم المؤمن منها إلا عون الله ومدده الرّوحاني فيسترخص روحه حبّا للشّهادة في سبيل الله وإعلاء كلمته، ولروح الجماعة وتضامن أفرادها أثره القويّ في تحقيق النّصر ودحر الأعداء وقد أخذ أمير الشّعراء معنى الآية في استنهاض عزائم قومه حين قال لهم: