نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الصّف

الجزء ١٩ · صفحة ١

(تُومِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ): جاء الخبران: (تُومِنُونَ): و (تُجَاهِدُونَ): بصيغة المضارع لإفادة الدّوام والإستمرار وهما بمعنى الأمر، فهم أصلا مؤمنون من قبل ولكن الأمر للثبات والدّوام، والأمر بالجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس هو مما يقتضيه ذلك الإيمان .... وكلمة الله وحماية دينه، ولا يتحقق الجهاد بالأنفس إلا بتقديم الأموال لأعداد العدة وتوفير أسباب النّصر وغالبا ما يقدم ذكر الأموال في التّحريض على الجهاد، ثم يعقب الله على ذلك بمزيد من التّرغيب والتّحريض فيقول: (ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمُ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ): فإن العلم بحقيقة الشيء والتّأكد من نتائجه الحسنة، يدفع الإنسان إلى مغالبة ضعفه النّفسيّ أمام المتاعب والمشاق التي يتعرض لها عند تحقيق الغايات النّبيلة، ويتمثل الخير الموعود به قوله تعالى:

(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ):

بدأ الله بالثّواب الأخرويّ تعظيما لشأنه وترغيبا في استشراقه والرّغبة فيه لأنه الأغلى والأدوم، وهو يتمثل في:

أ) - (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ): وفي ذلك الفوز الأعظم للمؤمن كما قال: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) (التّوبة:72). ومع هذا الأجر الرّوحاني الثّواب الحسيّ من نعيم الجنة الدّائم.

ب) - (وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ): إنها الرّبح الثّمين في تلك التّجارة، ولتحصيص المساكن الطّيّبة بالذّكر من نعيم الجنة إيحاء مقصود في مثل هذا التّرغيب، لأن حبّ تلك المساكن في الحياة الدّنيا هو من أكبر المثبطات للقعود عن الجهاد في سبيل الله كما وردت الإشارة إلى ذلك في سورة التّوبة في الآية: (قُلِ اِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىا يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) (التّوبة:24). وفضل الله ليس له حدود، وعلمه بطبائع خلقه أمر أكيد إذ لم يقصر الخير على النّعيم الأخرويّ بل عطف عليه قوله:

٥٬٩١١ / ٦٬٧٦٧