سورة الصّف
الجزء ١٩ · صفحة ٢(وَأُخْرَىا تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُومِنِينَ): حسب المؤمن الوفيّ ما ذكره الله في تلك الصّفقة من الرّبح الأخرويّ من رضوان الله ونعيم الجنة، ولكن الله الخبير بخفايا النّفوس البشرية يمنّي عباده المؤمنين بتحقيق ما يرغبون فيه من النّصر العاجل على أعدائهم وفتح لمختلف البلاد كمكة وغيرها مما قدّره الله في علمه الأزلّي أن يكون ويأمر رسوله بتقديم تلك البشرى للمؤمنين، وذلك كله زيادة في التّرغيب والتحريض لأن الموقف يستدعي ذلك لأن الجاهلي ما يحققه من عزة وكرامة تقبل على النّفوس كما قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ) (البقرة: 216). ثم كان النّداء الرّباني في آخر السّورة تكملة للنداء المتقدم يدعو فيه الله المؤمنين إلى جهاد من نوع آخر إلى نصرة دينه بالمجاهدة والمصابرة في الثّبات والإخلاص فقال:
(يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَاَمَنُوا كُونُوا أَنصَارًا لِلَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنَ اَنصَارِيَ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَئَامَنَت طَّآئِفَةٌ مِّنم بَنِي إِسْرَآءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الذِينَ ءَاَمَنُوا عَلَىا عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ): إنه النّداء الذي يثير النّخوة ويستفز المشاعر الإيمانية في قلوب المؤمنين وهم ما يزالون يواجهون معاكسة المشركين وأهل الكتاب فزيادة على مقارعتهم بالسّيف في ميادين القتال، فإن الجهاد الأكبر بالحجة والبرهان ومجاهدة النّفس ومكر الشّياطين تتطلب الصّبر والثبات في نصرة دين الله والتّمكين له في الأرض كي ينتشر ويستقرّ، ومن ثمّ جاء هذا الأمر الإلاهي للمؤمنين بنصر دينه ومساندة رسوله وشبه ذلك بنصر الحواريين لدين الله الذي جاء به عيسى عليه السلام والحواريّون هم تلامذة عيسى وهم خلّص أتباعه الذين نشروا تعاليمه ووصاياه بعد رفعه، وفي ذلك تمثيل للموقف الذي يجب أن يكون عليه أتباع رسول الله عندما يدعوهم إلى النّصر والتّأييد في جميع الأحوال، وقد تجمّع حول رسول الله من أمثال أولئك الحواريين إخلاصا وثباتا ووفاء كالعشرة المبشرين بالجنة، وكالنّقاء الإثنى عشر في بيعة العقبة ثم بيّن الله عاقبة أمر الحواريين بما حال إليه أمر بني إسرائيل من الصّراع والاختلاف ما بيّن الجماعات المؤمنة برسالة عيسى، والأخرى المنحرفة المغاليى في تقديسه أو الكافرة به كاليهود، وفي نهاية المطاف كان القصر للطائفة المؤمنة، والعبرة من هذا الخبر التّاريخي هو وعد الله للمسلمين بالنّصر والتّأييد وظهورهم على أعدائهم: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40). وقد تحقق وعد الله بنصرة دينه حتى غطى رقعة الجزيرة العربية قبل وفاة رسول الله ثم إنداحت دائرة انتشاره فعمّ المشارق والمغارب.
-والله أعلم-
- اتممت تفسير سورة "الصّف" يوم الثلاثاء 23 شعبان 1434ه الموافق لـ 02 جويلية 2013م وتليها -بحول الله- سورة الجمعة.