هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

9

الجزء ١ · صفحة ١١٠

. قلت . للتأكيد ، لأن صيغة المفاعلة وصفة الاجتهاد كل من المتقابلين أن يغلب الآخر ويقوى فعله على فعل الآخر ، ويحينئذ يقوى داعى الاجتهاد لكيون غالباً ، والفعل الذى هو بهذه المنزلة يكون أبلغ وأحكم من الفعل الذى يفعله الفاعل وحده بلا مبالغة لغيره ، فاستعملت صيغته فى التأكيد والقوة ، ولو خرجت عن حقيقة المفاعلة وعرضهم فى الخدع أن ينجو مما يلحق الكفار من قتل ، وسبى وغنم واستعباد وجزية وذل ، وأن يكرمهم المؤمنون بما يكرم به بعض المؤمنين بعضاً ، ويحسن إليهم ويعطونهم من المغانم ، وأن يطلعوا على أسرار المؤمنين بمخالطتهم ، وينلقونها إلى أحبائهم الكفرة الذين بينهم وبينهم مواصلة بما أحب كل من الآخر ، ولم يميزهم الله والنبى للمؤمنين لمصلحة كسر شوكتهم ، وإقامة الفتنة ، ودفع أن يقول قائل : إن محمداً وأصحابه يجفون من ألفى إليهم السلم وغير ذلك ، كذا ظهر لى وإبليس أشد فساداً وقد أبقاه الله جل وعلا للملائكة .

﴿ وَمَا يَخَادِعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ ﴾ : المراد بأنفسهم ذواتهم لا النفس الأمارة بالسوء ، كأنه قيل وما يخادعون إلا إياهم ، فالمفاعلة ليست على بابها ، بل هى بمعنى الفعل كأنه قيل : وما يخدعون إلا أنفسهم ، بفتح الياء وإسكان الخاء ، كما قال الكسائى وحمزة وابن عامر وعاصم ، ولكن أتى بصفة المفاعلة فى القراءة الأول ، وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو لتأكيد المعنى ، وأن دائرة ذلك الخداع العظيم راجعة إليهم وضررها محيط بهم ، بأن يفضحهم الله سبحانه لنبيه ، ويعاقبهم فى الدنيا والآخر ، ولا يصل الله سبحانه ولا رسوله - A - ولا المؤمنين ، ويدل على التأكيد قراءة يخدعون ، بضم الياء وفتح الخاء وكسر الدال مشددة ، وإسقاط الألف بينهما ، فإن التشديد فيهما للمبالغة ، ولا مفاعلة فيها ، ويدل عليه أيضاً قراءتهم يخدعون ، بفتح الياء والخاء وكسر الدال مشددة ، وإسقاط الألف ، بوزن يفتعلون ، ومن معانى الافتعال التأكيد ، وأصلها يختدعون ، بإسكان الخاء ، ونقلت إليها حركة التاء ، وأبدلت التاء دالا وأدغمت الدال فى الدال ، وإن قلت كيف يخدع الإنسان نفسه والخدع إنما يتصور فى من لم يعلم؟ وهم يعلمون فى زعمهم أن ما يفعلونه لا يضرهم؟ قلت الإنسان شيئاً يضر الآرخ ، بحيث لا يعلم به الآخر ، ويدل أيضاً على عدم حقيقة المفاعلة قراءة : وما يخدعون ، بالبناء للمفعول ، وإسكان الخاء ، وأما قراءة : يخادعون بالبناء للمفعول ، وإثبات الألف ، فتأول على غير المفاعلة كما أولت قراءة نافع ومن معه ، ووجه نصب ﴿ أَنْفُسَهُمْ ﴾ على القراءتين الأخيرتين ذواتى البناء للمفعول ، أنه على تقدير فى ، أو عن ، أى : إلا عن أنفسهم ، أو لا فى أنفسهم ، ويجوز على لاقراءة كلها أن يراد بالأنفس : آراؤهم أو قلوبهم أو أرواحهم ، فإن النفس يطلق على ذات الشئ كما مر ، وعلى القلب لأنه محمل الرافع أو متعلقها ، ولأن الذات إنما تعتبر به ، وهو ملكها ، تصلح به وتفسد به كما فى الحديث ، وتعتبر به وباللسان فىعرف ، كما قيل فى أن المرء بأصغريه ، وطلق على الروح أيضاً ، لأن الذات تنمو وينتفع بها إذا كانت الروح فيها ، إذ لا نفع بميتة وعلو الدم ، لأن قوام الذات بالدم ، ألا ترى إذا نزف دمه من جرح مثلا مات ، وعلى الماء شدة الحاجة إليه ، قال الله سبحانه وتعالى :

١١٠ / ٧٬٦٨٠