10
الجزء ١ · صفحة ١١٤ووجه الدلالة فيها عليهما أنها لا قبل تقدير المفعول به ، لأن الكذب فى مثل هذا المقام لازم ، والمبالغة تكوين الفعل عظيما ، أو التكثير إيقاع أفعال كثيرة ، ولو أوقعها واحد يقال بين الشئ ، أى أظهر ظهوراً عظيما ، وموتت البهائم أى كثر موتها ، ويجوز كون التشديد من كذب الوحشى ، بتشديد الذال ، واللزوم بمعنى جرى شوطاً ووقف لينظر ما وراءه فإن المنافق متردد ، والمشرك أيضاً قد يكون كذلك ، وهو مأخوذ من كذب بالتشديد والتعدى ، كان ذلك الوحشى والمناق والمشرك يكذبون رأيهم وظنهم ، ويقال للمتردد ، مذبذب . . قال A : « مثل المنافق كمثل الشاة العابرة بين الغنمين تغير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة » ، ويجوز كون الباء للبدلية ، أى لهم عذاب أليم جزاء كونهم يكذبون وعوضاً له ، ومعناها على الوجه الآخر : أنه جزاء ترددهم إذ لم يجزموا ، وكان الواجب الجزم بالحق ، وفى الآية تحريم الكذب والتكذيب ، وتقبيحهما إذا وعد عليما العذاب الأليم ، واختلفوا فى الصور التى قيل بجواز الكذب فيها ، فقيل لا يجوز تعمده فيها ولا إرساله بعقله ، بل يجوز فيها بقصد المعرضة وهو ما صحلته من كلام الكشاف وأنوار التنزيل ، وعليه فتحمل الآثار التى وردت بلفظ جواز الكذب على صورة الكذب لا على حقيقته . لقرينة أن فى المعارض لمندوحة عن الكذب ، وقيل : يجوز تعمد الكذب فيها بلا تأويل بتعريض ، ومن تلك الآثار قوله A : « كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاثاً : الرجل يكذب فى الحرب فإن الحرب خدعة ، والرجل يكذب على المرأة فيرضيها ، والرجل يكذب بين الرجلين فيصلح بينهما » رواه الطبرانى فى الكبير ، وقوله A : « الكذب كله إثم إلا ما نفع به مسلم أو دفع به عن دين » رواه الطبرانى فى الأوسط ، وبعض قصر ذلك وما أشبهه من الآثار على ظاهرها فقط ، وبعض توسع فأجاز كلها فى معنى ذلك ، وجعل الحديثين ونحوهما تمثيلا لا حصراً فأجاز الكذب للإنسان يرضى به والده أو والدته ونحوها ، وصاحبه ورحمه وجاره ، وحيث خاف على دمه أو ماله أو بدنه أو خاف ذلك على غيره ، وقيل لا يجوز فى غير ما ورد إلا بمعرضة .
وقال فى فتح الجليل : الكلام وسيلة إلى المقصود ، فكل مقصود محمود إذا أمكن التوصل إليه بالصدق ، فالكذب فيه حرام ، وإن لم يمكن إلا بالكذب فهو مباح إن كان المقصود مباحاً ، وواجب إن كان واجباً .