14
الجزء ١ · صفحة ١٢٢« من شر الناس ذو الوجهين يأتى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه » رواه أبو داود فى سننه ، وقال A : « من كان له وجهان فى الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار » رواه أبو داود فى سننه أيضاً .
قلت : لم قالوا للمؤمنين آمنا معبرين بالجملة الفعلية ، وقالوا للكفار إنا معكم بالجلمة الاسمية المؤكدة ، بأن؟ قالت : عبروا للمؤمنين بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث ادعاء لحدوث الإيمان لهم ، وأنهم بعد ما كانوا فى الكفر تركوه وخرجوا عنه إلى الإيمان ، وهذا ما أمكن لهم أن يخادعوا به المؤمنين ، ولا يمكنهم أن يخادعوا بادعاء الإيمان والرسوخ فيه ، والتأكيد المبالغة ، ولا بادعاء أنهم أعظم إيماناً داخلون الجنة التى لم يدخلها سواهم ، إذ لو ادعوا ذلك لم يقبله المؤمنون عنهم ولم يصدقوهم ، بل يكذبونهم ، ولأن أنفسهم لا تساعدهم على ادعاء ذلك ، لأنه يؤدى إلى ظهور كذبهم وافتضاحهم ، ولرسوخها فى الكفر والنفاق حتلاى لا تطاوعهم إلى ادعاء ذلك كذباً ، وربما صدر منهم مكابرة لأنفسهم ، وتشجعاً موطنين أنفسهم على أن يكذبهم السامع كما مر عن عبد الله بن أبى طالب .
وأما مخاطبتهم الكفار بالكون معهم فقابلة للتأكيد بالجملة الاسمية وإن ، وادعاء البقاء على الكفر ، وعدم الخروج منه لأنهم على هذه الصفة من أنفسهم وظاهر منهم ما يصدقهم عليها ، فهم يصرحون بها إلى الكفرة فى نشاط وارتياح إلى التكلم بها ، وتقبل الكفرة ذلك عنهم نوتصدقهم فساغ التأكيد للجملة الاسمية الدالة على الثبوت وبأن وبقولهم :
﴿ وَإِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ : فى قولنا للمؤمنين منا فإنا نقوله بألسنتنا فقط ، فهذه الجملة مؤكدة الجملة ﴿ إنَّا مَعَكُمْ ﴾ ، وبيان التأكيد أن المستهزئ بالشئ المستخف به منكر لذلك الشئ ، ودافع لأن يكون معتداً به ودفع ا لإيمان إصرار على الكفر ، كما أن قولهم إنا معكم ، بدل مطابق ، فإن الاستهزاء بالإيمان ترك للكون مع أهله ، وعدم الكون معهم نفسه الكون مع الكرة المدلول عليه بقوله : ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ وإن شئت فقل : الاستهزاء به تحقير له وتحقيره تعظيم للكفر ، وقولهم إنا معكم تعظيم للكفر ، ويجوز أن تكون استئنافاً بيانياً كأنه قيل إن صح أنكم معنا فمالكم تقولون للمؤمنين آمنا؟ فأجابوا بأن نقول لهم ذلك استهزاء بمحمد وأصحابه والمؤمنين لنا من شرهم ، ونقف على سرهم ونأخذ من غنائمهم وصدقاتهم ، والاستهزاء الخسرية والاستخفاف ، وأصله الموت السريع والفعل الخفيف والسريع ، يقال هزأ فلان مات فى مكانه سريعاً ، وهزأت الناقة أى أسرعت وخفت ، وهزأ بقوله أسرع به من غير توقف أن يكون من صميم قلبه .
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزئُ بِهِمْ ﴾ : أى يجازيهم على استهزائهم ، وذلك من تسمية العقوبة باسم الذنب ، فسمى جزاء الاستهزاء باسم الاستهزاء ، ذلك مذهب الجمهور ، وإنما لم نحمل الاستهزاء على ظاهره لأنه عبث وجهل ، كما قال قوم موسى له :