هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

14

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

﴿ أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ فجعل المستهزئ من الجاهلين ، والله جل وعلا منزه عن القبائح من عبث وجهل وغيرهما ، ومن ذلك بتسمية جزاء السيئة سيئة إلا أن يقل تسميتها سيئة أو تسمية الجزاء سيئة باعتبار المعنى اللغوى وهى الفعلية تسوئ وتؤلم ، وإن قلت فهل لا قيل : الله يجازيهم على استهزائهم بدل الله يستهزئ بهم؟ قلت : عبر عن المجازاة على استهزائهم بالاستهزاء إما للمشاكلة لقوله : ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهزِءُونَ ﴾ ، والمشاكلة نوع من أنواع البديع اللفظية ، وهى ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوع ذلك الشئ فى صحبة ذلك الغير وقوعاً محققاً أو مقدراً . وستأتى إن شاء الله تعالى فى سورة النحل ، وإما لكون الجزاء على الاستهزاء مماثلا للاستهزاء فى القدر ، وكلا الوجهين مجاز ، فالأول مرسل تبعى لعلاقة المجاورة ، والثانى بالاستعارة التصرحية التحقيقية التبعية ، أو معنى يتسهزئ بهم ليرد وبال الاستهزاء عليهم ، ورده الوبال عليهم كالاستهزاء بهم ، وفيه الاستعارة المذكورة ، أو معناه ينزل بهم الحقارة والهوان اللذين هما لازم الاستهزاء ولغرض منه ، فيكون مجازاً مرسلا تبعيا من التعبير باسم الملزوم عن اللازم ، أو بلفظ المسبب عن السبب نظراً إلى الوجود ، فإن الاستهزاء مسبب عن الحقارة الموجودة فى نفس الأمر ، أو بلفظ السبب عن المسبب نظراً إلى التصور ، فإن الاستهزاء إنما يمكن ويتصور إذا وجدت الحقارة والهوا ، وأو باللازم عن الملزوم كذلك ، فإن الاستهوزاء إنما يترتب على حقارة وهوان موجدين ، أو معنى يستهزئ بهم يعاملهم معاملة المستهزئ بأن يفعل بهم فعلا هى فى تأمل البشر هزء ، فتكون تلك الاستعارة المذكورة شبه صورة صنع الله بصورة صنع الهازئ مع المهزأ به ، وذلك فى الدنيا والآخرة ، لإأما فى الدنيا فإجراء أحكام المسلمين عليهم واستدراجهم بالإهمال والزيادة فى النعمة مع تماديهم فى الطغيان ، كأنهم شاكرون ، وأما فى الآخرة فقد روى أن النار تجمد لهم كما يجمد الشحم المذوب ، ويظنون أنها منجاة فتخسف بهم ، روى ابن أبى الدنيا فى كتاب الصمت عن الحسن مرسلا ، وغيره عن الحسن وابن عباس والشيخ هود C ، وغيره وهو أطولهم حديثاً واللفظ له ، وبعض يزيد على بعض . قال : قال رسول الله A : « يجاء بالمستهزئين يوم القيامة فيفتح لهم باب إلى الجنة » قال القاضى : وهم فى النار فيدعون ليدخلوها ، أى بصورة من يدعى ليدخلها - وإلا فلم يدعو ليدخلوها - فيجيئون أى مسرعين ليدخلوها ، فإذا بلغوا الباب أغلق ، فيرجعون . ثم يدعون حتى إنهم ليدعون فما يجيئون من الإياس .

واختص الشيخ بذكر تكرار دعائهم وردهم حتى يئسوا ، وفى رواية عن الحسن وابن عباس : تفتح لهم أبواب النار فيدعون فيسرعون للخروج ، فتغلق عليهم .

١٢٣ / ٧٬٦٨٠