19
الجزء ١ · صفحة ١٤٤الحقيقة ما قاله الجوهرى : الصاعقة نار تسقط من السماء فى رعد شديد ، وذكر بعد أن الصاعقة ثلاثة الموت كقوله تعالى : ﴿ فصعق من فى السموات ﴾ ، والعذاب كقوله تعالى : ﴿ أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ ، والنار كقوله تعالى : ﴿ ويرسل الصواق ﴾ قال الطيبى : هذه الأشياء متلودة من الصاعقة ، لإنها الصوت الشديد من الجو ، ثم يكون منه نار أو عذاب أو مزن ، وهو بمنى على أنها الصوت ، وقد مر أنه مجاز ، ومثله قول بعض : الصاعقة الصيحة التى يموت كل من سمعها أو يغضى عليه ، وقيل قطعة من العذاب ينزلها الله على من يشاء .
وعن ابن عمر أن رسول الله - A - كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال : « اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك » رواه الترمذى ، وقال : حديث غريب ، ولفظ الصاعقة مأخوذ من الصعق وهو شدة الصوت ، وقد يطلق لفظ الصاعقة على كل هائل مسموع أو مشاهد ، ويقال صعقته الصاقعة إذا أهلكته بالإحراق أو شدة الصوت ، ولفظ الصاعقة فى الأصل اسم فاعل ، أى قصفة صاعقة ، أو صحية صاعقة ، أو مهلكة ، وتغلبت عيه الاسمية ، والتاء للنقل ، أعنى أنها مستصحبة من حيث كان اسم فاعل لا محدثة للتأنيث ، ويجوز أن يكون فى الأصل ، قبل تغلب الاسمة نعتاً للرعد ، أى رعد صاعق ، أى قاصف ، وعلى هذا الوجه فالتاء محدثة للمبالغة ، أى كثير الصعق ، كما يقال زيد رواية ، أى كثير الرواية ، ويجوز أن يكون مصدراً بوزن اسم فاعل كعافية ، وكما يستعمل لفظ كاذبة كقوله تعالى : ﴿ ليس لوقعتها كاذبة ﴾ أى كذب ، وكاشفة كقوله : ﴿ ليس لها من دون الله كاشفة ﴾ أى كشف ، ولاغية كقوله تعالى : ﴿ لا تسمع فيها لاغية ﴾ أى لغو ، وخائنة كقوله تعالى : ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة ﴾ أى خائنة . والعاقبة كقوله تبارك وتعالى : ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ أى العقبى على أحد أوجه فى الآيات ، وقرأ الحسن ( من الصواقع ) بتقديم القاف على العين ، يقال صقعته الصاقعة وصقعه وصعقه بمعنى واحد ، فليس أحدهما مقلوباً من الآخر ، وفرعاً عليه ، لأن كلا مستقل يتصرف ، يقال صقع يصقع فهو صاقع صقعاً ، وهو صواقع ، يقال : صقعه على رأسه ، وسقع الديك ، وخطيب مصقع ، أى مجهر بخطبته ، فهما كجبذ وجذب فلو كان مقلوباً لم يتجاوز عن صورة واحدة ، وقال الرغب ، اللفظان متقاربان وهما الكبيرة ، إلا أن الصقع يقال فى الأجسام الأرضية ، والصعق فى الأجسام العلوية . انتهى ، أى غالباً ، أو معنى قوله يقال بعت وبدليل الآية فى القراءة الثانية وبدليل صعق عمر ، وبمعنى هلك أو سكر وصعق بزلزلة الأرض .
﴿ حَذَرَ الْمَوتِ ﴾ : مفعول لأجله منصوب مضاف لمعرفة ، ولاكثير فى مثله الجر بحرف التعليل قيل وهو نادر ، واختلف فى قياسه كما بسطته فى النحو ورويت فى قراءتى فى شرح الشريف بن يعلى الحسنى الفاسى على الأجرومية شاهدا على ذلك قول حاتم الطائى :