هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

20

الجزء ١ · صفحة ١٥٠

هما أظلما حالى ثمت أجليا … ظلاميهما عن وجه أمرد أشيب

فحالى مفعول أظلم ، ويحتمل أيضاً كونه ظرفاً فيكون أظلم لازماً ، وهو من المحدثين لا يستشهد بكلامه فى اللغة والنحو والصرف ونحو ذلك ، لكنه عند قومنا بثقة من علماء العربية ، فيجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه ، كما يقال ذلك فى سيبويه ونحوه ، يقال لو لم يرووا مثل ما قالوا عن العرب ولم يستمعوا نظيره لما قالوه .

وبحث التفتازانى بأن مينى الرواية على الوثوق والضبط ، ومبنى القول على الداراية والإحاطة بالأوضاع والقوانين ، والإتقان فى الأول لا يستلزم الإتقان فى الثانى ، والقول بأن قوله بمنزلة نقل الحديث بالمعنى ليس بسديد ، بل هو بعمل الراوى أشبه ، وهو لا يوجب السماع ، والمحدث بإسكان الحاء وفتح الدال الشاعر الذى أحدثه الله - جل وعلا - بعد الصدر الأول من الإسلام ، كحبيب بن أوس والبحترى وأبى نواس ، ولا يستشهد بكلامهم لأنهم بعد فساد الألسنة ، ويقابلهم الجاهليون كامرئ القيس وزهير ، والمخضرمون وهم من أدرك الجاهلية والإسلام كحسان ولبيد ، والمتقدمون من أهل الإٍلام كالفرزدق وجرير ، ويستشهد بكلامهم ، أو المحدث ، بفتح الحال والدال المشددة

من يلهمه ويلقى الغيب فى روعه ، أعنى فى قلبه كأن أحداً يكلمهم ويخبرهم ، والمحدث ، بفتح الحاء وكسر الدال المشددة ، من اعتنى بحديث رسول الله - A - من العلماء ينطق به ويعمه الناس ، وهما فى البيت عائد إلى الدهر العقل ، وحالاه حاله الدنيوى والدينى ، ومعنى أجليا كشفنا ومعنى عن وجه أمرد أشيب عن وجهى وأنا شاب فى السن شيخ أشيب فى تجربة الأمور ، وأشيب فى غير وقت الشيب لمقاساة الشدائد ، فنفى ذلك تجريد وأسند الإظلام إلى العقل والدهر ، لأن العاقل لا يطيب له عيش والدهر يعادى كل فاضل . والله أعلم .

واختلف المفسرون فى المقصود فى التمثيل فى الصيب المذكور ، فقال الجمهور : مثل الله سبحانه وتعالى بالصيب لما فيه من الإشكال على المنافقين من حيث إنهم فى ظلمات الكفر والمعاصى ، وما فيه من الوعيد والزجر وهو الرعد ، ومافيه من الحجج الباهرة هو البرق ، وتوفتهم وروعهم وحذرهم وهو جعل أصابعهم فى آذانهم ، وفضح نفاقهم واستشهار كفرهم ، وتكاليف الشرع التى يكرهونها من نحو الجهاد والزكاة هى الصواعق ، وعن ابن مسعود : أن المنافقين فى مجلس رسول الله - صل الله عليه وسلم - كانوا يجعلون اصابعهم فى آذانهم لئلا يستعمون القرآن فيملوا إلى الإيمان ، فضرب الله المثل لهم وهو وفاق لتأويل الجمهور ، وفى رواية عنه كلما صلحت أحوالهم فى زروعهم ومواشيهم وتوالت عليهم النعم قالوا : دين محمد دين مبارك ، وإذا نزلت بهم مصيبة أو أصابتهم شدة سخطوا وثبتوا فى نفاقهم ، وعن ابن عباس : كلما سمع المنافقون وظهرت الحجج آنسوا ومشوا معه ، فإذا نزل من القرآن ما يشق عليهم قاموا ، أى ثبتوا على نفاقهم ، وعن مجاهد : كان المنافقون إذا أصابوا فى الإسلام رخاء طابت أنفسهم وسروا ، وإذا أصابتهم شدة لم يصبروا ولم يرجوا عافيتها ، وعن الحسن : البرق نور الله ، وعن ابن عباس : نور القرآن وهما متقاربان أو واحد ، وقيل المطر هو القرآن لأنه حياة القلوب ، كما أن المطر حياة الأرض ، والظلمات ما فى القرآن من ذكر الكفر والشرك والنفاق والرعد ما خوفوا به من الوعيد ، وذكر النار والبرق ما فيه من الهدى ، والبيان والوعد ذكر الجنة .

١٥٠ / ٧٬٦٨٠