20
الجزء ١ · صفحة ١٥٢كأن قلوب الطير رطباً ويابساً … لدى وكرها العناب والحشف البالى
شبه قلوب الطير الرطب بالعناب واليابسة بالحسف البالى ، ومن التمثيلية قوله جل وعلا : ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ﴾ شبه حال اليهود فى جهلهم بما معهم من التوراة بحال الحمار فى جهله ما يحمل من أسفار الحكمة .
﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ : هذا من تمام تهويل ذلك الصيب الممثل به بتهويل رعده وبرقه ، جيث إن رعده بلغ من القوة أن يذهب بأسماعهم ، وأن برقه بلغ منها أن يذهب بأبصارهم ، لولا أن الله جل وعلا أبقى عليهم أسماعهم وأبصارهم ، فضلا منه أو استدراجاً ، ليتمادوا فى الغى والفساد فيشتد عذابهم ، ولو شاء إبقاءها لذهبت ، ولكنه لم يشأ فلم تذهب ، لأن السبب لا يتأثر فى المسبب إلا بمشيئة الله تعالى ، ومفعول شاء محذوف دل عليه الجواب ، وقام مقامه ، ولا يكاد يذكر بعدما وقع شرطاً لأدوات الشرط من نحو شاء وأراد وأحب ، مما يدل على حب الشئ أو إرادته وتقديره ، ولو شاء الله ذهاباً بشمعهم وأبصارهم لذهب بها ولما حذف من الشرط هو معلقه ذكر منه الفعل فى الجواب وأظهر متعلقه ، ولم يؤت به ضميراً وهكذا تقدر أبدا من لفظ الجواب ، وإذا كان غريباً لذاته أو لمتعلقه ذكر قول أبى يعقوب الخزعى من قصيدة يرثى بها خزيم بن عامر ، وقيل يرثى بها ابنه لا خزيما :
فلو شئت أن أبكى دماً لبكيته … عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
فان البكاء نفسه غير غريب ، ولكنه يستغرب لكونه بالدم ، والمعاد كونه بالدمع فذكر مع ما تعلق به ليتقرر فى نفس السامع ويأنس به ، وقل ذكره إذا لم يستغرب كقول أبى الحسن على بن أحمد الجوهرى :
ولم يبق منى الشوق غير تفكى … فلو شئت أن أبكى بكيت تفكر
أى لو شئت البكاء الحقيقى المطلق لم يتيسر . لفناء مادة الدمع لشدة نحولى بل أجد مكان بكاء مجازياً مقيداً بالفكر . بدل الدمع الحقيقى الواقع فى الصور ، فليسهذا البيت كالذى قبله لأنه ليس المراد لو شئت أن أبكى تفكراً ، فليس ما فى الجواب من جنس ما فى الشرط ، فضلا عن أن يدل عليه ويقوم مقامه ، ويجوز أن يراد بالبكاء فى قوله : فلو شئت أن أبكى ، البكاء مطلقاً بقطع النظر عن كونه حقيقاً وكونه بكاء تفكر ، وإن قلت : فلعل المعنى أن الشوق أفنانى فصلرت لا أقرد على الدمع ، إنما أقدر علىلتفكر فقط ، فلو شئت أن أبكى تفكراً بكيت تفكراً ، فيكون كالبيت السابق ، لكن على التنازع فى تفكر .