هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

20

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

قلت : لا يخفى أن قوله : فلو شئت أن أبكى بكيت تفكراً ، متفرع على قوله : ولم يبق منى الشوق غير تفكرى . وذلك الاحتمال لا يصلح على هذا التفري؛ لأن بكاء التفكر ليس إلا إيقاع التفكر والقدرة على إيقاعه لا يتفرع على ألا يبقى فيه الشوق غير التفكر بخلاف عدم القدرة على البكاء الحقيقى ، بحيث يحصل منه بدل الدمع التفكر ، فإنه مما يتفرع على ألا يبقى فيه غير التفكر . والله أعلم .

ولو هذه امتناعية تدل على امتناع شرطها لامتنع جوابها ، فإن الملزوم بنتفى بانتقاء لازمه ، هذا مذهب ابن الحاجب ، والصحيح قول الجمهور إنها دل على امتناع جوابها لامتناع شرطها ، وقيل إنها لمجرد الربط ، مثل إن وغير ذلك ، إنما يفيده المقام والسياق ، وقد قال التفتازانى : الظاهر أن لو هنا لمجرد الشرط بمنزلة أن لا بمعناه الأصلى من انتفاء الشئ لا نتفاء غيره ووافقة السيد الشريف ، ثم ذكر جواز إبقائها على ما فسر به الآية أوولا وقد يقصد بها استمرار الشئ فيربط بأبعد النقيضين عنه نحو : لو أهاننى لأكرمته ، وقول عمر : لو لم يخف الله لم يعصه ، وقرأ ابن أبى عبلة : لأذهب بأسماعهم وأبصارهم ، فالباء فيها صلة للتأكيد ومدخولها مفعول به والتعدية بالهمزة لا بها بخلافها فى قراءة الجمهور ، فإنها للتعدية لعدم الهمزة فيها ، وإنما جعلت حرف التعدية فى قراءة ابن أبى عبلة هو الهمزة ، والصلة هى الباء ، لأن الأصل فى التعدية الهمزة لا الباء ، ولأنها الكثير فى التعدية والباء فيها قليلة بالشبه .

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ ﴾ : هذا كالتصريح بأن وجود المسببات مرتبط بأسبابها واقع بقدرته تعالى ، كما نسبه عليه بقوله D : ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهَ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِم ﴾ ، والشئ عندنا وعند قومنا : الموجود فى الحال ، وما قد كان موجوداً وفنى وما سيوجد ، وإنما صح إطلاقه على ما وجد وفنى أو سيوجد باعتبار وجوده الماضى أو المستقبل ، والأصل ألا يطلق على ما لم يوجد ولا يوجد ، سواء أكان جائز الوجود أو ممتنع الوجود ، لأنه فى الأصل مصدر شاء يشاء بفتح همزة شاء ، فتارة يطلق بمعنى اسم فاعل كشاءٍ بكسر الهمزة المنونة كقام اسم الفاعل شاءً بفتح الهمزة بمعنى مريد ، وهمزة شاء كقاض هى الياء المبدلة ألفاً فى شاء بفتح الهمزة ويشاء ، وأما همزة شاء يشاء هذين فأبدلت ياء وحذفت الياء كحذفها فى قاض ، فيتناول كل مريد ، ولذلك أجيب بالله - سبحانه وتعالى - يعد السؤال عنه فى قوله تبارك وتعالى : ﴿ قل أى شئ أكبر شهادة قل الله ﴾

١٥٣ / ٧٬٦٨٠