21
الجزء ١ · صفحة ١٥٩فلو أنى فعلت كنت كمن … تسأله وهو قائم أن يقوما
وإنما قال : اعبدوا ربكم ، ولم يقل : اعبدوا الله أو الرحمن أو نحو ذلك إشارة إلى أن موجب العبادة هو الربوبية .
﴿ الَّذِى خَلَقَكُمْ ﴾ : صفة للتعظيم والتعليل ، والموصوف ربكم ، أما التعظيم فلأنه الخالق ولا يقدر سواه أن يخلق ، وفيه مدح ، وأما التعليل فلأن الموصول مع صلته المشتق ، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعليته ، فكأنه قيل اعبدوا الله لأنه ربكم ، ولأنه خلقكم ، وهذا صحيح - إن شاء الله تعالى - سواء جعلنا الخطاب للمؤمنين والمشركين ، أو للمشركين وحدهم ، لأنهم مقرون بأن الحقيق بالربوبية هو الله - جل وعلا - وأنه الخالق كما قال جل وعلا : ﴿ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ﴾ ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ فلكونهم مقرين بذلك أخرج الكلام مخرج ما تقرر عند المخاطب ، وكان المخاطب مسلماً إذ جعل الخلق صلة للموصول والصلة معهودة للمخاطب ثابتة عنده فى أصل الكلام ، فلو قلت لمن يعترف بمجئ زيد : أكرم زيد الذى جاء ، لم يكن كلامك مقبولا ، إلا إن أردت التلويح إلى استبعاد إنكار مجيئه ، وإلى أن مجيئه كالشئ الذى لا يمكن إنكاره ، فحينئذ تخاطبه فى إثبات ما أنكر كأنك تشير إليه أنك معاند مكابر ، أو أنك لو نظرت أدنى نظر لتمكنت من العلم بمجيئه ، فجوز فى الآية أيضاً أن يقال . أخرج الكلام مخرج ما تقرر بالنسبة إلى مشركى العرب المقرين بأن الخالق الله لإقرارهم بالنسبة إلى كل من لم يقر بأن الله - D - هو الخالق لتمكنه من العلم بأنه هو الخالق ، أو نظر أدنى نظر ، ولو قال ابعدوا ربكم وهو خلقكم ، أو لأنه خلقكم ، لكان الكلام غير مخرج مخرج ما تقرر عند المخاطب جزماً ، فإنهما يقالان لمن تقرر عنده ولمن لم يتقرر عنده ، ويجوز أن يكون الوصف فى الآية للتوضيح إذا جعلنا الخطاب للمشركين المقرين بأن الله هو الخالق ، فإن الرب عندهم يشمل الصنم والله سبحانه وتعالى ، فاحترز بالذى خلقكم من الصنم ، والخلق إيجاد الشئ على تقدر واستواء ، وهذا مختص بالله - جلا وعلا - وأصله التقدير وهذا يوصف به المخلوق أيضاً ، ولذا قال جل وعلا : ﴿ تبارك الله أحسن الخالقين ﴾ فأثبت تعدد الخالقين أى المقدرين ، يقال خلق النعمل إذا قدرها وسواها بالمقياس ، وقرأ أبو عمر وخلقكم بإبدال القاف كافاً وإسكان هذه الكاف وإدغمها فى الكاف بعدها ، ولم يدغم أبو عمرو من المتقاربين فى كلمة إلا القاف فى الكاف التى تكون فى جمع المذكرين إذا تحرك ما قبل الكاف نحو : خلقكم ورزقكم ويخلقكم ويرزقكم ، وواثقكم به وأظهرها إن سكن ما قبلها نحو ميثاقكم وبورقكم ، بإسكان الراء عنده ، أو لم يكن الكاف للجمع نحو حلقك ويرزقك ، واختلف أهل الأداء فى قوله :