هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

22

الجزء ١ · صفحة ١٦٤

إذا شاهدوا تدريج الشئ من حال إلى حال ، وتولد شئ من شئ تدريجاً ، تولداً يستحيل فى عقولهم أن يكون بالذات بلا فاعل ، وأن يكون بصنع مخلوق ، فلو خلق الأشياء بلا سبب ومادة ولا تولد ولا تدرج لم يكن فى خلقها من العبر والسكون إلى قدرته العظيمة ما فى خلقها الأشياء بسبب ومادة وتولد وتدريح ، وذلك حكمة . وجعل الماء الممزوج بالتراب والتراب الممزوج بالماء سبباً فى إخراج الثمرات ، ومادة لها بأن أفاض صورة الثمار وكيفيتها على المادة الممتزجة من الماء والتراب ، أو أبدع فى التراب قوة فاعلة وفى الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمر ، ونعتقد فى ذلك كله أنه لا خالق إلا الله ، فكل من القوة التى فى الماء وفعلها والقوة التى فى الأرض وقبولها مخلوق الله تبارك وتعالى ، ومن فى قوله : ﴿ من الثمرات ﴾ للتبعيض لقوله : ﴿ فأخرجنا به ثمرات ﴾ فإن ثمرات بالتنكير جملة من الثمرات بالتعريف ، كما أن رجالا جماعة من الرجال فالثمرات بأل كل ، فإنما يفيد بالتبعيض بواسطة من ، ويدل على كونها للتبعيض أيضاً توسطه بين المنكرين : ماء ورزق ، المراد بهما بعض الماء وبعض الرزق ، إذ لا شك أنه لم ينزل من السماء الماء كله ، ولا أخرج بالمطر الثمرات كلها ، ولا جعل كل الرزق ثمرات ، وليس الماء كله يخرج بعض الثمرات فقط ، فكأنه قيل فأخرج به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم ، ويجوز أن تكون من للتبيين ومفعول أخرج هو من التبعيضية على القول باسميتها ومحذوف نابت عنه هى ومجرورها على القول بحرفيتها وهو الصحيح ، فأخرج به شيئاً ثابتاً من الثمرات ، ورزقاً بمعنى المصدر مفعول لأجله ، أو بمعنى مفعول أى مرزوق بدل من المفعول الذى هو من أو محذوف أو رزقا بمعنى مرزوق ، ومفعول به لأخرج ومن الثمرات حال من رزقا ، ولكم نعت لرزقا على أنه بمعنى مرزوق أو مفعول به لزرقا على أنه بمعنى المصدر قوى باللام كأنه ليس رزقا إياكم ولا مانع من كونه نعتا لزرق بمعنى المصدر ، ويجوز تعليق لكم بأخرج ، ويجوز كون رزقا مفعلولا من أجله لأنزل وهو أعم ، لأن المعنى وأنزل من السماء ماء ليكون منه الرزق ، وهو يشمل المأكول والمشروب وغيرهما كالملبوس ، والثمرات جمع قلة ، لأنه جمع بألف وتاء ، وإنما ساغ جمع القلة هنا والمقام مقام كثرة ، لأن اللفظ ولو كان لفظ قلة لكن المراد الكثرة لأن الثمرات جمع الثمرة ، والثمرة بالإفراد مراد به ثمار كثيرة ، إما لأجل أل أو من تسميتهم الثمار المتلاحقة الكثيرة ثمرة ، كما يقال أدركت ثمرة بستانه فكل مفرد من أفراد الجمع الذى هو قوله الثمرات هو ثمار ، فالثمرات بهذا القصد أدل على الكثرة من الثمار الذى هو جمع كثرة ، ويدل لذلك قراءة محمد بن السميدع : من الثمرة ، بالإفراد ، لأن المراد بها الجماعة لا الواحدة ، أو استعمل جمع القلة فى الكثرة كقوله تعالى :

١٦٤ / ٧٬٦٨٠