هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

23

الجزء ١ · صفحة ١٧١

﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ﴾ ولهذا العلل رد الجمهور الهاء إلى ما نزلنا ، ولو رددنا إلى العبد لأوهم إمكان صدور مثل الصورة ممن لم يكن على صفته ، ولكان قوله : ﴿ وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ ﴾ غير ملائم لذلك الإمكان إذ لا معنى للاستظهار بشهدائهم على أن يأتوا بسورة واحدة من مثل محمد - A - فإن قوله : ﴿ ادعوا . . . الخ ﴾ أمر تعجيز بأن يستعينوا بكل من ينصرهم ويعينهم ، سواء كان مثله أم لا ، والشهداء جمع شهيد بمعنى حاضر أو قائم بالشهادة أو الناصر أو الإمام . سمى به لأنه يحضر النادى ، أعنى المجلس ، وتبرم بحضرته الأمور لأأن لفظ الشهادة ، وما تصرف منه لحضور الشئ بذاته أو بعلمه ، ومنه سمى القتيل فى سبيل الله شهيداً ، لأنه حضر ما كان بمجيئه يرجوه أو حضرته الملائكة ، وفيه أوجه تأتى إن شاء الله فى محلها . وقال الله جل وعلا : ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ أى علم الله أنه لا إله إلا هو . ويجوز أن يكون الشهداء : جمع شاهد كعالم وعلماء ، وعاقل وعقلاء ، وشاعر وشعراء ، والله أعلم . ومعنى ﴿ دُونِ ﴾ : أدنى مكان من الشئ ، ولست أريد أن مادة دون الدنو وما تصرف منه واحدة ، بل مادتان اختلفتا فى إعلال العين واللام وتصحيحهما ، ومن ذلك تدوين الكتب ، لأنه أدنى البعض من البعض لأن تضم المعانى والنقوش وتضم كل ورقة إلى أخرى ، ويقال دونك هذا أىخذه من أدنى مكان منكن ، ثم استعير للرتب فقيل : عمرو دون زيد ، أى فى الشرف ، ومنه قولهم : الشئ الدون ، أى الردئ ، ثم اتسع يه فاستعمل فى كل تجاوز حد ، أو تخطى أمر إلى آخر . وإن خلا عن اعتبار المنزلة والرتبة . قال جل وعلا : ﴿ لا تتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾ أى لا يتجاوز ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين . وقال أمية بن أبى الصلت :

يا نفس مالك دون الله من واق … ولا لسع بنات الدهر من راق

أى إذا تجاوزت وقاية الله ، فلا يغنيك غيره ومن متعلقه بادعوا . والمعنى : وادعوا لمعارضة القرآن بالإتيان بمثل سورة منه ، من حضركم أو رجوتم معونته من الإنس والجن والأصنام ، فإنه لا قدرة لكم على الإتيان بمثلها ولا تدعوا الله لذلكم فإنه القادر وحده على الإتيان بمثل القرآن . أو المعنى ادعوا من دون الله من يشهد لكم من الناس إنما أتيتم به مثله ، وصححوا دعواكم ولا تقصروا على قولكم : الله يشهد إنما ندعيه حق فإنه من عادة الذى يقول البهتان ويعجز عن إقامة الحجة : والأمر على هذين المعنيين للتبكيت والتعجيز ، أو المعنى : ادعوا من دون الله شهداءكم الذين اتخذتموهم أولياء من دون الله ، وهم شرفاؤكم ليشهدوا أنكم أتيتم بمثله ، وليسوا بشاهدين بذلك .

١٧١ / ٧٬٦٨٠