25
الجزء ١ · صفحة ١٨٦﴿ رِزْقاً ﴾ : مفعول ثان لرزقوا ، والأول هو الواو ونائب عن الفاعل .
﴿ قَالُوا هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ : فى الدنيا ، والإشارة إما إلى نوع ما رزقوا حقيقة ، لا إلى نفس الشئ الذى رزقوه ، وحضر عندهم ، وإنما ساغ ذلك لأن النوع فى ضمن فرده فبحضور الفرد تحضر الحقيقة وتشخص فى الذهن . تقول حين حضور الأسد : هذا أجرأ السباع ، ولست تريد خصوص هذا الأسد الحاضر ، بل جنس الأسد ، أما إلى نفس الشئ الذى رزقوه وحضر عندهم على التشبيه البليغ بحذف أداة التشبيه . والأصل هذا كالذى رزقنا من قبل ، أو مثل الذى رزقنا من قبل ، كقولك : زيد أسد فالكلام على الأول حقيقة لا مجاز ولا حذف ، لان المراد النوع ، وعلى الثانى مجاز بالاستعارة ، ومبالغة ، إذ لا يكون فرد عين فرد آخر سواء من نوع أو نوعين : واعلم أن الله - جلا وعلا - جعل ثمر الحنة من جنس ثمر الدنيا لتميل النفس اليه إذا رأته ، لأن الطبع مائل إلى المألوف ، نافر عن غير المألوف ، وليتبين مزية ثمر الجنة على مثله من ثمر الدنيا ، وهى مزية عظيمة لا يعلم غايتها إلا الله - تبارك وتعالى - ولو كان ثمر الجنة جنساً آخر غير معهود فى الدنيا ، لظنوا أن ثمر الجنة لا يكون إلا كما ألفوه فى الدنيا ، فلا يظهر التفاوت ، فلا تتم اللذة تمامها فى اتحاد الجنس وتفاوت الطعم ، فإنه إذا اتحد استحضر طعم الدنيا وطعم الآخرة ، فيظهر التفاوت العظيم ويدوم الاستعظام والاستغراب ﴿ كُلَّمَا رُزِقُواْ ﴾ لأنه كلما رأوا ثمرة الجن حضر فى قلوبهم ثمرة الدنيا ، لتشابه اللون فيسبق إلى النفس اتحاد الطعم ، فيوجد متفاوتا بالغاية وكذا فى عظم اللون والجثة ، كلما رأوا ثمرة الجنة فى أعظم لون وأصفاه . وأكبر جثة حضر فى قلوبهم نقص ثمرة الدنيا عن ذلك ، ويجوز أن يكون المراد بقوله من قبل فى الجنة ، إذا رزقوا المرة الثانية فى الجنة ، قالوا هذا الذى رزقنا فى المرة الأولى فيها ، وكذا الثالث والرابعة ، إلى ما لا ينقطع كله على شبه المرة الأولى ، وهكذا طعام الجنة متشابه الصور ، كما حكى عن الحسن أن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها ، ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول : هذا الذى رزقنا من قبل ، فيقول الملك : كل فاللون واحد والطعم مختلف ، وإنما قال الواحد رزقنا لأنه يأكل هو وأزواجه الدنيوية وازواجه الحور . وعنه صلى الله عيله وسلم : « والذى نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هى بواصلة إلى فيه حتى يبدل الله مكانها مثلها » قال جار الله : فإذا أبصروها والهيئة هيئة الأولى قالوا : هذا الذى رزقنا من قبل . والتفسير الألو أحسن وهو تفسير القبلية فى الدنيا ، لأنه إنما يعظم للتعجب والاستغراب ، بعظم تفاوت ثمرة الجنة بثمرة الدنيا غاية التفاوت : صفاء ولوناً ولذة وطعماً وكبراً ، مع التشابه البليغ فى الصورة ، وبذلك أيضاً يعظم فرحهم واغتباطهم بما وجدوا ، فيذكروا ذلك القول كلما رزقوا ، أو لأن التفسير الثانى غير مشتمل على الأعراض الموجودة فى الأول ، من كون النفس تميل إلى الثمرة إذا رأتها كثمرة الدنيا أول ما ترى ، بخلاف ما لو كانت مخالفة لها فإنها لا لتميل إليها حتى تذوق ، وكون الطباع مائلة إلى المألوف وكونها غبر نافرة من غيره ، وكون المزية تبين بالتفاوت فى نحو الطعم مع التشابه فى الصورة ولأن التفسر الأول استلزم الثانى بلا عكس .