26
الجزء ١ · صفحة ١٩٨ويروى :
اغفر لعبد تاب من فرطاته … ما كان منه فى الزمان الأول
قال ابن خلكان عن بعض الفضلاء : إن الزمخشرى أوصى أن تكتب هذه الأبيات على قبره .
﴿ فَمَا فَوْقَهَا ﴾ عطف على بعوضة أو على ما ، إن جعلت اسماً . والمعنى ما زاد على بعوضة فى صغر الجثة كجناحها ، كما ضرب به المثل فى الحديث ، وهكذا كنت أفسر الفوقية بالغلبة فى الصغر والزيادة فيه . ورأيت بعد ذلك زكريا قال : إنه مذهب المحققين لمطابقته البلاغة ، ولما سيق له الكلام ، وفيه ترقية معنوية وهى الترقى من الأدنى إلى الأعلى فى الحقارة ، والحمد الله ، وذلك أن الغرض : بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشئ الحقير الصغير ، وقيل : معنى ما فوها ما زاد عليها فى الكبر كالذباب والعنكبوت ، أى لا يستحى أن يضرب مثلا بالبعوضة ، فضلا عما فوقها ، ويحتمل الوجهين ما روى مسلم عن إبراهيم عن الأسود ، أنه دخل شاب من قريش على عائشة وهى بمنى ، وهم يضحكون ، فقالت : ما يضحككم؟ فقالوا : فلان خر على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه تذهب . فقالت : لا تضحكوا ، إنى سمعت رسول الله A يقول : « ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة » فإنه يحتمل أن يكون المراد ما جاوز الشوكة فى القلة كنخبة النمل أى عضتها فى قوله A : « ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياها حتى نخبة النملة » ويحتمل ما هو أشد من الشوكة وأوجع كالخرور على طنب الفسطاط .
﴿ فَأمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ : بالله ورسوله وما جاء به .
﴿ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ﴾ : أى المثل أو ضرب المثل .
﴿ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ : الثابت من ربهم الواقع موقعه ، يقال : حق الشئ يحق أى ثبت ، ولم يسغ سواء كان ذاتا أو فعلا أو قولا . وحقق الثوب أى أحكم نسجه ، فالحق اسم للثابت ، ويجوز كونه وصفاً أصله حاق ، حذفت ألفه للتخفيف ، كألف بار ، ووصفاً كصعب وسهل ، على أنه نقل فعله من فعل بفتح العين ، إلى فعل بضمها ، مبالغة ، فيجتمع توكيدات أحدها بأما فإنها قائمة فى مقام مهما يكن من شئ . وإذا ذكر أما فى حكم فقد علق ذلك الحكم بواجب الوقوع ، فإن الدنيا لا يخلو من وقوع شئ ، ولا بد أن يليها اسم ، لأن مما قامت فى مقامه مهما .