26
الجزء ١ · صفحة ٢٠١ووقوع الشئ تابع لتعلق الإرادة ، وتعلق القدرة تابع لتعلق الإرادة ، وتعلق الإرادة لذاتها لا ينافى اختيار الفاعل ، والحادث تابع للعلم المتعلق فى الأزل بتخصيص الإراجة ، بمعنى أن حدوث الحادث على حسب ما تعلق به العلم القديم وإن كان متبوعاً للعلم ، بمعنى أن العلم بحدوث الحادث فى وقته المعين تابع ، بحيث يقع فيه فلا منافاة بين ما يقال من أن العلم تابع للوقوع ، وما يقال من الوقوع تابع للعلم ، وهذا المخصص هو الإرادة وهى قديمة ، ولو كانت حادثة للزوم كونه تعالى محلا للحوادث ، ولا احتاجت إلى إرادة أخرى وتسلسل . وهى شاملة لجميع الكائنات ، لأنه تعالى موجود لكل ما يوجد من الممكنات إذ قدرته شاملة ، وهو فاعل بالاختيار فيكون مريداً لها ، ولأن الإيجاد بالاختيار يستلزم إرادة الفاعل ، ومن جملة الكائنات الشر والكفر والمعصية ، فيكون مريداً لها ، خلافاً للمعتزلة . واستدلو بأوجه :
الأول : أن المعصية غير مأمور بها فلا تكون مرادة إذ الإرادة مدلول الأمر ولازمه ، فيجاب عن هذا بأن الأمر قد ينفك عن الإرادة كأمر المختبر لأحد هل يمتثل .
الثانى : لو كانت مرادة لوجب الرضى بها ، لأن الرضى بما يريد الله تعالى واجب ، والرضى بالكفر كفر ، فيجاب بأنه يجب الرضى بقضاء الله تعالى به ، وإيجاده عدم سخط القضاء لا بنفس الكفر المقضى لذاته ، وبتناول العاصى إياه بصدوره منه . ووجب الرضى عندى بموت الأنبياء من حيث أنه قضاء الله تبارك وتعالى ، وحرم سخطه ، ولا توقف فى صحة الرضى بفعل الله تعالى .
الثالث : لو كانت مرادة لكان الكافر مطيعاً بكفره ، لأن الطاعة تحصيل مراد المطيع ، فيجاب بأن الكافر إذا رضى بقضاء الله تعالى عليه بالكفر ، مطيعاً برضاه طاعة لا تنفعه لحصول الكفر ، والطاعة هى تحصيل ما أمر الله لا ما أراده ، فالواجب عليه شيئان فى حال كفره : الرضى بالقضاء عليه بالكفر ، والانقلاع عن كفره ، وبهذا يجاب اليهودى التلمسانى القائل :
إيا علماء الدين ذمى دينكم … تحير دلونى بأوضح حجة
ثم قال :
قضى بضلالى ثم قال ارض بالقضا … فها أنا راض بالذى فيه شقونى
وقد أجيب بأشعار وذلك فى دولة الإسلام فى هذه العدوة وعدوة الأندلس . الرابع : قوله تعالى : ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ فيجاب بأن الرضى بقضاء الكفر غير كفر . والله أعلم . ويدل على ترادف الإرادة والمشيئة قوله تعالى : ﴿ يفعل ما يريد ﴾ ﴿ يفعل ما يشاء ﴾ وإرادة المخلوق ومشيئته نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث تحملاه عليه وهذا مع الفعل ، ويطلقان على القوة التى هى مبدأ النزوع ، وهذا قبل الفعل . والله أعلم . والسم الإشارة فى الآية لاستحقار الكفار ما مثل به كأنهم قالوا : ما هذا الدانى القريب التناول ، كما قالت عائشة فى عبد الله بن عمرو بن العاص : يا عجباً لابن عمرو هذا .