هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

26

الجزء ١ · صفحة ٢٠٢

. و ﴿ مَثَلاً ﴾ حال أو تمييز وناصبه أراد سواه جعل حالا ، أى ماذا أراد به ، حال كونه مثلا ، لو كان من الله كما قال محمد ، وصاحب الحال اسم الإشارة أو تمييزاً قبل التمييز عن نسبة التعجب والإنكار إلى المشار إليه نسبة إيقاعية ، ولا حاجة إلى جعل العامل فى الحال اسم الإشارة ، وصاحب الحال الهاء ، فى قولك : أشير إليه وأجاب قولهم : ﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلاً ﴾ بقوله تعالى :

﴿ يَضِّلُ بِهِ ﴾ : أى يضرب المثل أو بالمثل .

﴿ كَثِيراً وَيَهْدِى بِهِ كَثِيراً ﴾ : فإنه مستأنف من كلامه - تبارك وتعالى - كأنه قيل : الذى أراده الله تعالى بضر بالمثل هو : إضلال كثير من الناس به ، وهدى كثير منهم به . وهذا على جعل ما : مبتدأ ، وذا : خبر ، أو بالعكس وأما على جعل ماذا : مفعولا أو ما : مفعولا ، وذا : صلة ، فكأنه قيل : أراد بضرب المثل إضلال كثير به ، وهدى كثير به . وفى الجواب بالفعل ما يرجح هذا ، وقال مكى : إن جملة يضل صفة مثلا ، أو مستأنفة . قال ابن هشا : والصواب : الثانى ، لقوله تعالى فى سورة المدثر : ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به من يشاء ويهدى من يشاء ﴾ وإنما قال يضل ويهدى بالفعل ، ولم يقل إضلال كثير وهدى كثير بالاسم ، للإشعار بالحدوث والتجدد ، وبيان لقولهم : ﴿ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِم ﴾ وقوله : ﴿ يَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلاً ﴾ لاشتمال كل منهما على الكثرة ، واشتمال الأول على الهدى ، والثانى على الضلال ، وإشعار بأن العلم يكون ضرب المثل حقاً هو الهدى والإيمان ، وأن الجهل بوجه أراد المثل والإنكار لحسن مورده هو ضلال وفسوق . وإن قلت كيف اشتمل الأول على الكثرة ، مع أن المؤمنين قليل؟ والكثير هم الكفار؟ كما قال تعالى : ﴿ وقليل من عبادى الشكور ﴾ وقال : ﴿ وقليل ما هم ﴾ فقال A : « الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة » قلت : المؤمنون كثير فى حد ذاتهم ، وإنما يكونون قليلا بالنسبة إلى الكفرة ، فالمعتبر كثرتهم فى ذاتهم . ويحتمل أن يكون كثيرتهم باعتبار الفضل والشرف ، وكثر الكفار باعتبار العدد كقول أبى الطيب المتنبى فى مدح على بن يسار :

سأطلب حقى بالقنا ومشايخ … كأنهم من طول ما التثموا مردp>> ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا

كثير إذا شدوا قليل إذا عدو … وكقوله :

إن الكرام كثير فى البلاد وإن … قلوا كما غيرهم قل وإن كثيروا

ومعنى قوله كثير أنهم كثير كرماً ، ومعنى قوله قلوا : قلوا عدداً ، وقوله قل ، بضم القاف واللام المنونة ، معناه القليل ، ويجوز أن يكون ، بفتح القاف واللام ، على أنه فعل اعتبر فيه لفظ غير . واعتبر معناه فى قوله كثروا . وقيل أن قوله تعالى : ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِى بِهِ كَثِيراً ﴾ من كلام الكفار كالكلام قبله ، فهو من المحكى بيقولون واتفقوا على أن قوله :

﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ الْفَاسِقِينَ ﴾ .

٢٠٢ / ٧٬٦٨٠