26
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣. إلخ من كلام الله D ، والفسق لغة مطلق الخروج عن الشئ ، تقول فسق عمرو عن الدار ومن الدار أى خرج ، قال روبة يصف نوقاً يمشين فى المفازة على غير طريق :
يذهبن فى نجد وغور غائرا … فواسقا عن قصدها جوائر
وغورا ظرف مكان أو منصوب على نزع فى أو معطوف على محل مجرور فى . ولو كان محله لا يظهر فى الفصيح من النثر ، وذلك للضرورة . وبعض لا يشترطه . ومعنى فواسقا : خوارج ، وجوائرا بمعنى مائلات ، ويقال : فسقت الرطبة عن قشرها أى خرجت . وفسقت الفارة خرجت عن جحرها . والفسق شرعاً : الخروج عن طاعة الله ، والمراد فى الآية المشركون والمنافقون الذين أسروا الشرك ، لخروجهم عن الإيمان والطاعة ، ودخل اليهود فيهم . والمعصية كلها فسق ، إلا أنه عندنا إنما تقول فاسق لفاعل الكبير دون فاعل الصغير ، وقيل المراد المشركون ، وعليه اقتصر الشيخ هود وقيل المنافقون وقيل اليهود . وللفاسق ثلاث درجات ، الأولى : التغابى وهو التغافل ، وأصله من الغباوة هو أن يترك الكبيرة أحياناً مستقبحاً إياها . والثانية الانهماك وهو أن يعتاد ارتكابها غير ميال بها ، وهو فى الحالتين عندنا منافق يسمى ذا إيمان وموحدا ولا يسمى عندنا مسلما ولا مؤمنا بمعنى كامل الإسلام والإيمان ، ولا مشركاً وأظن ذلك قول قدماء المعتزلة ، ولكن لا يسمونه منافقاً بل فاسقاً ، وربما سماه بعض أصحابنا مسلماً ومؤمنا ، بمعنى موحداً . فإن الإيمان الكامل : التصديق والإقرار والعمل . وكذا قال متأخروا المعتزلة ، وكذا قال الأشعرية ويسمونه فى الحالتين مؤمناً إيمانا غير كامل ، ويسمونه كافر للنعمة . الثالث : الجحود وهو أن يرتكبها مستصوباً لها مستحلا مواجهة وهو مشرك ، وإن قلت كيف تفعل فى قوله تعالى : ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ قلت : سماهم مؤمنين باعتبار حالهم الظاهر لنا قبل البغى ، أو معناه : وإن طائفتان من الموحدين : كما سمى البلغ اليتامى باعتبار حالهم قبل البلوغ ، وقد مات آباؤهم . ويطلق اسم الفاسق على الثالث ، كما يطلق على الأول والثانى . ونزل واصل ابن عطاء - ويكنى أبا حذيفة - الأل والثانى منزل بين المؤمن والكافر فينبغى أن يحمل على أن المعنى بين كامل الإيمان بالعمل والكافر المشرك لإذعان كل عاقل ، إلى أن الفساق غير شاكر ، ومن لم يشكر فقد كفر ، فهذا الفاسق كافر كفراً غير شرك . قال واصل بن عطاء كما قلنا إن حكمهما حكم المؤمن ، فى أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ، ويدفن فى مقابر المسلمين ، وهو كالمشر فى الذم واللعن والبراءة منه ، واعتقاد عداوته وألا تقبل له شهادة . ومذهب مالك والزيدية أن الصلاة لا تجزى خلفه . والله أعلم .
وإذا جعلنا الباء فى به ، من باب باء الآله ، فإسناد الإضلال إلى الله تعالى حقيق ، وكذا إذا جعلناها من باب السببية ، ولا يظهر لى خلاف ذلك ، لأن إضلاله تركه التوفيق .