28
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩وأيضاً الآية بمنزلة قولك : كيف تكفرون بالله ، وقصتكم أنكم كنتم أمواتاً فجعلكم أحياء ، ثم يميتكم بعد هذا الإحياء ، ثم يحييكم بعد هذه الإماتة ثم يحاسبكم؟ . . . وقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد : معنى قوله وكنتم أمواتاً : وكنتم معدومين قبل أن تخلقوا . كما يقال للشئ المندرس ميت ، فإن الأموات جمع ميت ( بإسكان الياء ) يقال : لما تصح فيه الحياة وما لا تصح كقوله تعالى : ﴿ بلدة ميتاً ﴾ ﴿ وآية لهم الأرض الميتة ﴾ ، ولكن ذلك عندى على طريق التشبيه والاستعارة التصريحية ، ووجه الشبه عدم الرو وعدم الإحساس أو ترك النماء بعد أن كانت ، فإنها فى حال وجود النبات وإنمائه كالحيوان الحى . وفى حال زوال النبات كالميت فإن الحياة حقيقة فى وجود الروح مجاز فى نو ما ينموا ، ولأنها من مقدمات النمو ، وفى الفضائل كالعقل والعلم والإيمان لأنها كمال وجود الروح وثمرتها ، والموت فى ذد ذلك ، ولمراد بالحياة فى حق الله لازمها من علم وقدرة .
﴿ فَأَحْيَاكُمْ ﴾ : فى الأرحام وبعد الخروج من الأرحام بنفخ الروح وخلقها فيكم . قال الكلبى : أمواتاً نطفاً وعلقا ومضغا وعظاما . ثم أحياهم فأخرجهم إلى الدنيا ، وعطفه بالفاء لاتصال هذا الإحياء بذلك الموت ، بخلاف الإماتة والإحياء الثانى والرجوع . فإنهن متراخيان بعض عن بعض ، فكان العطف بثم . أما التراخى بين هذا الإحياء الأول والإماتة فظاهر . وأما التراخى بين الإماتة والإحياء الثانى فإن جعلنا الإحياء الثانى هو الإحياء من القبر فظاهر أيضاً . وإن جعلناه هو الإحياء فى القبر فظاهر أيضاً ، لأن بين الإماتة وتسوية التراب عليه فى القبر مدة ، وأما الرجوع إلى الجزاء فمتراخ عن الإحياء فى القبر ، ومتراخ عن الإحياء منه ، فإنا إذا فسرنا الرجوع إلى الجزاء بدخول الجنة أو النار كان التراخى ظاهرا ، وإذا فسرنا بالحصول فى الموقف أو بالشروع فى الحساب فقد حصلت مدة أيضاً بين الإحياء فيه مدة البرزخ هم فيها موتى .
﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ : لآجالكم ، وذلك أن مواد الأبدان قابلة للجمع والحياة وتعاقب الافتراق والاجتماع والموت ، والحياة عليها يدل على أنها قابلة لها بالذات ، وما بالذات يأبى أن يزول .
﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ : فى قبوركم للسؤال عن الإيمان بالله ونبيه محمد A وبالبعث . ولك أن تقول : المراد بهذا الإحياء الشامل لهما ، أو هما مرتبطان متصلان فى الانقطاع عن الدنيا ، فلا يرى ، والسؤال بأنه ترك ذكر أحد الإحياءين وهم ثلاثة ، فلم قال فأحييتنا اثنتين . كما قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد : المراد إحياء البعث . وكذا قال الكلبى . وهو المختار والمتبادر .
﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ ﴾ : لا إلى غيره .
﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ : للجزاء بأعمالكم . وهو من رجع الثلاثى المتعدى ، أو من اللازم المدخل عليه همزة التعدية ، وقرأ يعقوب فى جمع القرآن : ترجعون ، بفتح التاء وكسر الجيم ، وما ذكره الله فى الآية هو أمر العامة ، المذكور فى قوله جل وعلا :