28
الجزء ١ · صفحة ٢١٠﴿ ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ﴾ وأما خواص من الناس فقد أميتوا ثم أحيوا ثم أميتوا ، وسيبعثون كالسبعين الذين مع موسى عليه السلام فى قول . وكعزير ، وكالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ، وصاحب بقرة بنى إسرائيل ، ومن يحيى عيسى بإذن الله - عز وعلا - وإن قلت المعطوف على الحال حال ، والمتعاطف فى حكم المعطوف عليه ﴿ فَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً ﴾ حال بلا واسطة ، والجمل بعده أحوال بوسائط العواطف ، وبعض ذلك ماض ، وبعضه مستقبل ، والحال حاضر . قلت تكون الحال ماضية باعتبار زمان عاملها ، وحاضرة مقارنة له ومستقبلة . والآية من الأول والثالث ، أى كيف تكفرون بالله الآن؟ وقد كنتم فيما مضى أمواتاً فأحدث فيكم الحياة؟ ثم يميتكم فى المستقبل ويحييكم وترجعون إليه؟ ولك أن تقول : هى من الثانى على التأويل بالعلم ، أى كيف تكفورن بالله وأنتم عالمون بأنكم كنتم أمواتاً؟ وأنه أحياكم وأنه سيميتكم وأنه سيحييكم وأنكم سترجعون إليه؟ أى ما أعجب كفركم ، مع علمكم بذلك ، بل لو قيل الحال أبدا حاضرة لصح على التقدير بالعلم ، أما من المتكلم أون من صاحب الحال أو من غيرهما سواء ماضية أو مستقبلة أو على التقدير بنحو قولك : ناويا أو مقدرا أو منويا أو مقدرا أو نحو ذلك ، إذا كانت مستقبلة وصحت الحاضرة بلا تأويل . وإن قلت لم يعلموا أنه سيحييهم ويرجعون إليه لإنكارهم البعث . قلت : نعم لكم لما أوضح لهم الدلائل على البعث نقلية وعقلية ، حتى كأنهم عالمون ، بل قد علم كثير وعاند ، ولا سما أن فى ا لآية نفسها ذكر الحجة ، وهو أنه أحياهم الإحياء الأول وليس بأشد من الثانى ، بل الثانى أهون بالنظر إلى العادة وبادئ الرأى ، ولو كان سواء عند الله . فكأنه قيل : كيف وقعتم فى الكفر ، مع هذه الدلائل المانعة منه؟ أو كأنه قيل : كيف كفرتم مع هذه النعم العظام التى من شأنها أن تشكر ولا تكفر؟ وهى الإحياء الأول والثانى والإماتة بينهما؟ . . فبقدر عظم النعمة يشتد قبح المعصية أو كأنه قيل : كيف تكفرون مع هذه النعم التى هى دلائل؟ وإنما عد الإماتة والإحياء الثانى من النعم المقتضية للشكر لأنهما وصلة إلى البقاء الدائم النافع لمن عمل له . وهو البقاء فى الجنة . كقوله : ﴿ وإن الدار الآخرة لهى الحيوان ﴾ مع أن يجوز كون المعدود من النعم هو المجموع لا الجميع ، فلا إشكال فى أن النعمة الإحياء الأول . ويجوز كونه هو العلم بهذه الدلائل ، فالخطاب للكفار كما مر ، أو لهم وللمؤمنين . أى كيف تكفرون يا هؤلاء الكفرة وترجعون إلى الكفر يا هؤلاء المؤمنين مع هذه النعم والدلائل الصارفة عنه؟ أو للمؤمنين أى كيف يصدر منكم الكفر معها ، أو كيف يصدر منكم وكنتم أمواتا ، أى جهالا فأحياكم بما أفادكم من العلم والإيمان ، ثم يزيل عنكم الروح ثم يردها إليكم بالعبث ، فيثيبكم بما لا عين رأى ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، بل ما اطلعتم عليه .