52
الجزء ١ · صفحة ٣١١﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم ﴾ : حين تبتم من عبادة العجل ، والعفو عدم المؤاخذة بالجريمة ، المؤاخذة شبيهة بالأثر فى الأرض أو غيرها ، والعفو شبيه بمحو ذلك الأثر أو هو مأخوذ من عفا الشىء إذ اندرس ، وعلى الوجهين العفو ذهاب الحال الأول من الذنب كما هو المراد هنا أو من غير الذنب . وقال عياض : لا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا فى الذنب .
﴿ مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ : الاتخاذ اتخاذ العجل إلهاً .
﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُنَ ﴾ : أى لتشكروا عفوه . فلعل هنا تعليلية ، ويجوز بقاؤها للترجى باعتبار نظر المخلوق . أى عفونا عنكم عفواً ، يقول المتفكر من الخلق لعلكم تشكرون ، والشكر فى أصل اللغة ضد الكفر ، والكفر الستر ، فالشكر إظهار النعمة والشكر شكر القلب وهو تصور النعمة ، أعنى استحضارها فى القلب واستحضار صورتها فيه ، وشكر اللسان وهو الثناء على النعمة وذكرها وشكر سائر الجوارح ، وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها ، غير أن شكر الله لا يقوم به قائم بكله وحقيقته إلا بمسامحة الله فى جعله قليل شكره كثيراً أو كلا كما روى أن موسى عليه السلام قال : إلهى أنعمت علىّ النعم السوابغ : وأمرتنى بالشكر ، وإنما شكرى إياك نعمة منك فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى تعلمت العلم الذى ما فوقه علم ، حسبى من عبدى أن يعلم أن ما به من نعمة هى منّى ، وكما روى أن داود عليه السلام قال : سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكراً ، كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة ، ولذلك قيل حقيقة الشكر العجز عن الشكر ، وقيل الشكر لمن فوقك بالطاعة والثناء كما هو حال المخلوق مع الخالق ، وكما هو حال العبد مع سيده ، وأحاد الرعية مع الملك ولنظيرك بالمكافأة ولمن دونك بالإحسان والإفضال ، فشكر الله الطاعة بالقلب واللسان والجوارح سراً وعلانية ، لأن القلب واللسان والجوارح نعم منه تعالى ، وفيهن نعم فشكره استعمالهن بالعبادة وعدم استعمالهن فى المعصية ، فانهن خلقن للعبادة . وقد قيل شكر النعمة ذكرها بالقلب ليستشعر أنه مقصر فى حق من أنعمها عليه ، وذكرها باللسان ليقوى تصورها بسماع الأذن والملائكة والجن والإنس ، ولينبه السامع فيشكر لأنه لا مخلوق إلا والله فيه نِعَمٌ لا تحصى ، وقيل شكر النعمة ألا يتعلق قلبه بتعظيمها فى مجرد ذاتها ، بل يتعلق بالمنعم وتعظيمه ، فإذا تذكرها توصل منها إلى تعظيمه وانتقل منها إليه .