30
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠وليقولوا ما يقولون ، فيظهر لهم الحكمة فى جعل الخليفة ، وليزدادوا خضوعاً إذا رأوا أن مخلوقا بشهوات وموانع عظيمة عن العبادة داعيات إلى المعاصى ، اجتهد وخرقها ، وأطاع الله ، فيظهر لهم أن عبادته أفضل من عبادتهم ، وللتبشير به بشر به الملائكة ، فجوابهم له تعجب ، كيف يكون هذا من جنس من يفسد ويسفك الدماء مبشراً به ، لعدم علمهم بالسبب الحقيق ، ولتعظيمه بتسميته خليفة ، قبل خلقه ولإظهار فضلة الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم : أتجعل فيها؟ : وجوابه : ﴿ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ولبيان أن المعتبر الغالب فى آدم - عليه السلام - الطاعة ، فلا يترك الله - D - خيراً كثيرا لشر قليل ، ولتعليم المشاورة فيشاور العظيم ، ومن هو دونه من أهل الثقة والنصح ، وإن كان غنيا بعلمه وحكمته ، قبل إقدامه على أمر ، وليصونهم عن اعتراض الشبهة ، بعد جعل الخليفة ، فإن الاعتراض بعد الفعل أعظم منه قبله ، لأن فيه إبطالا للفعل والرأى وإزراء بالفاعل وهذا فى غير الملائكة . وأما هم فمنزهون .
﴿ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ : أى مصير فيها خليفة . فجاعل من الجعل التصييرى متعد لاثنين ، الأول خليفة والثانى فى الأرض . أو خالق فيها خليفة ، فهو من الجعل بمعنى الخلق ، متعد لواحد وهو خليفة ، وفى الأرض متعلق على هذا بجاعل . وإنما نصب جاعل مفعولين أو المفعول لأنه للاستقبال ، ومتعمد على مسند إليه وهو الياء . والمراد بالأرض الأرض مطلقاً ، لعموم اللفظ . وقال ابن سابط عن النبى A : إن الأرض هنا هى مكة ، لأن الأرض جحيت من تحتها ، ولأنها مقر من هلك قومه من الأنبياء . وإن قبر نوح وهود وصالح بين المقام والركن . والخليفة من يخلف غيره وينوب منابه . وقرئ خليقة بالقاف أى نفسا مخلوقة ، أو نفوسا إلى الاسمية ، إذ أصله وصف وقيل للمبالغة ، والمراد بالخليفة آدم - عليه السلام - لأنه خليفة الله فى أرضه ، بمعنى أنه يعمل فيها بأمره وشرعه ، وكل من يعمل فى موضع بأمر غيره فهو خليفته فيه . فمن يعمل بالمعصية فهو خليفة إبليس - أعاذنا الله من ذلك - وكل نبى خليفة الله - سبحانه وتعالى - فى عمارة الأرض بالعدل ، وسياسة الناس ، وتكميل النفوس ، وليس ذلك لحاجة به تعالى عنها ، لنكن خلق الناس غير مطيقين لسماع كلام يخلقه الله بلا واسطة ، ولا لسماع كلام الملائكة وخلق الأنبياء مطيقين على سماع كلام الملائكة ، فكانوا وسائط إلى الناس ، وأطاق الملائكة على سماع كلام يخلقه الله جل وعلا وأطلق علي بعض الأنبياء : كموسى عند إرادة اقتباس النار ، وعند المناجاة . وسيدنا محمد - A - ليلة المعراج ، إذا قيل إنه سرى بجسده ، ولا نقول إنه رأى الله .