هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

30

الجزء ١ · صفحة ٢٢١

فالنبى بين الملك والناس ، كالغضروف بين اللحم والعظم ، لعجز العظم عن أخذ الغذاء من اللحم ، لتباعد ما بينهما إلا بالغضروف . وإن قلت لم ذكر الله - جل وعلا - آدم وحده دون ذريته؟ قلت : لأنه وحده الخليفة ، ولما مات كان ولده الصالح خليفة عنه ، فولده خليفة الخليفة . وهكذا كل متأخر خليفة عن متقدم ولك أن تقول أشار بآدم إلى آدم وبنيه ، كما يقال مضر ويراد القبيلة وأبوها المسى مضر . ويطلق اسم أبو القبيلة عليها فقط أيضا . ويجوز أن يكون المراد بالخليفة : جنس من يكون خليفة ، فيشمل آدم وذريته . وقول ابن مسعود رضى الله عنه : خليفة منى فى الحكم يحتمل آدم وحده ، ويحتمل آدم وذريته ، لكنه نص فى أن الخلافة عن الله - D - قال ابن عباس - رضى الله عنه - كانت الجن قبل بنى آدم فى الأرض ، فأفسدوا وسفكوا الدماء ، فبعث الله إليهم قبيلا من الملائكة فقاتلوهم . ولحقوا أكثرهم بجزائر البحار ورءوس الجبال . وخلق آدم وذريته وجعلهم خليفة . فهذا يتبادر منه أن المراد فى الآية الخلافة عن الجن وقيل أرسل إليهم قبيلا من الملائكة ، وجعل رئيسهم إبليس فقاتلوهم ودمروهم وألحقوهم بالجبال والجزائر . وقيل الخليفة آدم وأنه سمى خليفة لأنه تخلفه أولاده . وذكر الكلبى أن الله - تعالى - جعل الملائكة عمار السموات ، ولكل أهل سماء دعاء وتسبيح وصلاة ، وكل أهل سماء أشد عبادة وأكثر ممن تحتها . وكان إبليس فى جند من الملائكة فى السماء الدنيا ، وكان الجن الذين خلق أبوهم من النار عمار الأرض . ولما وقع فيهم التحاسد والعتو اقتتلوا . فبعث الله جندا من الملائكة من السماء الدنيا فيهم إبليس وهو رأسهم ليجلوهم عن الأرض فألحقوه بجزائر البحار . وسكن إبليس وجند الملائكة ، فهان عليهم العمل فيها ، وأحبوا المكث فيها ، ثم إذن الله أن يخلق آدم وذريته فيكونوا هم عمار الأرض ، فقال للملائكة الذين فى الأرض وإبليس : ﴿ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ورافعكم منها ، فوجدوا من ذلك فقالوا : ما ذكر الله - D - عنهم بقوله :

﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُسْفِكُ الدِّمآءَ ﴾ : بالمعاصى ، وقيل بالشرك .

﴿ وَيُسْفِكُ الدِّمآء ﴾ : الاستفهام لمجرد التعجب . إذ لم يعلموا ما السبب فى استخلاف من يفسد ويسفك ، عمن لا يعصى طرفة عين ، وليس اعتراضا على الله ، لأن الاعتراض عليه كبير ، وهم معصومون من الصغيرة والكبيرة ، عندنا وعند جمهور قومنا ، وزعم بعض قومنا أنهم غير معصومين ، لاعتراضهم على الله - جل وعلا - وقد علمت أى ذلك تعجب لا اعتراض ولقصة هاروت وماروت ، وسيأتى الجواب عنها ، إن شاء الله ، قال الله - D : ﴿ وهم بأمره يعملون ﴾ . وقال قبله : ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ ومن اعترض على أحد فقد سبقه بالقول ، بمعنى صدر عن مراده ، وكذلك ليس قولهم ذلك طعنا فى بنى آدم ، على العموم ، لأن ذلك بهتان .

٢٢١ / ٧٬٦٨٠