هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

30

الجزء ١ · صفحة ٢٢٢

ولا فىى من يعصى ويفسد ويتوب ، لأن ذلك غيبة . بل إما طعن فيمن لا يتوب ، وبغض له فى ذالله لا انتصار لهم ، وإما غير طعن بل مجرد تعجب وطلب لعلم مما لا بحوز اعتقاده ، ولم يشكا فى الدين ، ولكن يجيبهما العالم . فكذلك هم تكلمو بتعجب ليخبر الله - جل وعلا - بالحكمة التى تلاشت فيها المفاسد والسفك ، حتى اقتضت خلق من يفسد ويسفك ، بدل من لا يعصى طرفة عين . وإن قلت من أين علموا أن بنى آدم يفسدون ويسفكون؟ . . قلت : قالوا ذلك قياساً على الجن لأنهم رأوهم فى الأرض قد أفسدوا وسفكوا ، وعلموا ذلك منهم حتى قتلوهم بأمر الله - جل وعلا - كما مر . فقاسوا عليهم بنى آدم لأن الله - جل وعلا - أخبرهم أنه يسكنهم الأرض كما أسكن الجن فيها ، وليسو مخلوقين فى غير الأرض . ثم أسكنوا الأرض كالملائكة ، أو لأن الله أخبرهم أنه يخلقه من أشياء متضادة ، كالماء الحار والبارد ، والملح والعذب ، والتراب الخشن واللين ، فعلموا أن هذه الأشياء تتدافع وتتنافر فتحصل منها المفاسد والسفك ، أو علموا أنه لا قوة واحدة تدعو للعبادة ، وهى القوة العقلية ، وقوتين شهوية وعصبية مؤديتين للمصعية ، والواحد لا يقوى على اثنين . فتعجبوا ما الحكمة فى استخلافه مع أن الحكمة لا تقتضى خلقه فضلا عن استخلافه ، لما فيه من القوتين الشهوية والعصبية ، وأخبرهم اله بأنهم يكون منهم الإفساد والسفك ، أو تلقوا ذلك من اللوح المحفوظ . أو ركز فى عقولهم أن المعصية من خواصهم ، أو أعلمهم الله أنها من خواصهم ، أو تلقوها من اللوح ، أو قال الله لهم جل وعلا : ﴿ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرضِ خَلِيفَةً ﴾ بعدما خلقه من أشياء متضادة ، وعلموا أنه مخلوق منها . وذلك قبل نفخ الروح أوبعده ، فقالوا ذلك لعلمهم أن الأخلاط تؤدى للتنافر ، فيحصل بها الحقد والغضب كما علمت ، أو لما روى أن الله - تعالى - خلق النار ، فخافت الملائكة وقالوا لمن خلقت هذه النار؟ قال لمن عصانى فلما قال : ﴿ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرضِ خَلِيفَةً ﴾ قالوا هذا الخليفة يكون منه من خلقت لهم النار . فهذه أوجه محتملة . قال ابن زيد وغيره : إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سكون من ذريته قوم يفسدون ويسفكون ، فقالوا ذلك تعجباً من استخلاف الله من يصعيه ، أو تعجب الملائكة إلى آخر تعديد نعمة نعم الناس كلهم ، لأن خلق آدم وإِكرامه وتفضيله على الملائكة بأن أمرهم بالسجود له إنعام يعم ذريته ، أو تعجباً من عصيانه من يستخلفه الله ، وينعم عليه بالاستخلاف ومن استخلاف من يعصيه . وقال أحمد بن يحيى تغلب : رأت الملائكة وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم من الدماء فى الأرض ، فجاء قولهم : { أَتْجْعَلُ فِيهَا .

٢٢٢ / ٧٬٦٨٠