30
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣. } الآية . على جهة الاستفهام المحض ، هل هذا الخليفة يا ربنا على طريقة من تقدم من الجن أم لا؟ . وقال قوم : امن الله تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق فى الأرض خلقاً يفسدون ويسفكون الدماء . فلما قال لهم سبحانه بعد : ﴿ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ قالوا ربنا أتجعل فيها؟ على جهة الاسترشاد . هل هذا الخليفة هو الذى كان أعلمهم به سبحانه قبل أو غيره . والاستفهام على القولين حقيقى لا تعجبى . وأما قول ابن جرير الطبرى : قولهم أتجعل فيها ليس بإنكار لفعله - D - بل الاستخبار هل يكون الأمر هكذا؟ فليس جاريا على الاستفهام الحقيقى كم قد يتوهم ، بل تعجبى أنهم علمو أن الأمر يكون هكذا . فقالوا هل يكون الأمر هكذا؟ وقيل إن العبد المخلص فى حب سيده يكره أن يكون له عبد آخر يعصيه فكان سؤالهم على وجه المبالغة فى إعظام الله - جل وعز - وهذا أيضاً غير خارج عن التعجب كما قد يتوهم ، ويجوز أن يكون الاستفهام حقيقيا بطريق آخر غير ما تقدم ، وهو أن يتسلط على القيد الذى هو الحال المقرونة بالواو فى قوله :
﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ : ولا نشرك كما يشرك جنس الخليفة .
﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ : كأنهم قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ ونحن باقون على التسبيخ والتقديس؟ أم نتغير عن هذا الحال؟ وقولهم : نحن نسبح بحمدك . . إلخ على هذا الوجه استخبار على بقاء التسبيح والتقديس . وأما على أوجه التعجب والاستفهام غير هذا الوجه ، فهو تمدح ووصف لحالهم ، كقول يوسف : إنى حفيظ عليهم . وهو أيضاً حال . وماضى سفك بسفك ، بفتح الفاء ، وقوئ يسفك . بضم الفاء ، وماضيه ، مفتوح الفاء ، كذلك . وقرئ يسفك ، بضم الياء وإسكان السين وكسر الفاء ، مضارع أسفك بالهمزة بمعنى المجرد منها وقرئ يسفك بضم الياء وفتح السين وكسر الفاء مشددة ، وهذا عندى للمبالغة لا لموافقة المجرد . وقرئ يسفك بالبناء للمفعول وإسكان السين ، ورفع الدماء . وعلى هذه يكون الرابط محذوفاً ، أى من يسفك فيهم الدماء . ولاسفك صب الدم أو الدمع فى اللغة . والمراد هنا الأول . كما صرح به لفظ الدماء . والسبك فى الجواهر المذابة كالفضة ، يقال سبكت الفضة بمعنى أذبتها وأفرغتها فى قالب من القوالب . . والسبك الصب من أعلى والشن بالشين والسين ، فى الصب من فم القربة ونحوها ، وسننت التراب صببته ، بالسين ، وسننت الماء على وجهى متفرقا ، بالسين ، صببته . وإن صببته فى الأرض مثلا متفرقا فبالشين . والتسبيح عن الشئ الإبعاد عنه ، أى نبعدك عما لا يليق بك من الصفات ، يقال سبح فى الأرض والماء : إذا ذهب فيهما إلى مكان بعيد إلى أمام أو تحت . والأصل نسبحك فحذفت الكاف . أو نسب لك ، على أن اللام تأكيد ، أو على تضمين نسبح معنى تخصع ، والتسبيح حقيقة فى الذهاب فى الماء فقط ، مستعار فى غيره .