هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

30

الجزء ١ · صفحة ٢٢٥

﴿ غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ فرضى عنهم وأجابهم بما ذكر الله D بقوله :

﴿ قَالَ إِنِّى ﴾ : بفتح الياء عن نافع وابن كثير وأبى عمرو ، وإسكانها عند الباقين . وكذا فى قوله : ﴿ ألم أقل لكم ﴾ ﴿ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ : وقال لهم ابنوا لى بيتا فى الأرض ، يعوذ به من سخطت عليه من بنى آدم ، ويطوف حوله كما فعلتم بعرضى فأرضى عنكم . فبنوا له الكعبة ، ومعنى ﴿ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنى أعلم من وجوه المصلحة والحكمة فى جعل الخليفة فى الأرض . وقيل : أعلم أنهم يذنبون ويستغفرون فأغفر لهم . وقيل : أعلم من يطيعنى وهم الأنبياء والأولياء والصالحون ، ومن يعصينى وهو إبليس . قال قتادة : لما قالت الملائكة : ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا . . . ﴾ إلخ وقد علم الله أن فيمن يستخلف فى الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعته قال : ﴿ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ يعنى أفعال الفضلاء . قال ابن عباس : أعجب إبليس بنفسه ودخله الكبر لما جعله الله خازن السماء الدنيا ، واعتقد أن ذلك لمزية ، فلما قالت الملائكة : ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ ﴾ وهم لا يعلمون أن فى نفس إبليس خلاف ذلك ، قال الله سبحانه وتعالى : ﴿ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ يعنى ما فى نفس إبليس . ويجوز أن يكون المعنى إنى أعلم ما لا تعلمون من غلبة القوة العقلية ، على القوة الشهوية والغضبية ، فإنهما تضمحلان فى القوة العقلية اضمحلال الظلمة عند النور ، ومن أنه إذا زادت غلبة العقلية عليهما استعملهما حيث يريد ، وصارتا مطواعين له ، فيستعمل الغضبية فى جهاد المشركين والمنافقين ، وفى قهر النفس والشيطان ، فيغضب غليهما فيجتهد فيما يغضبهما ، ولى الأمر والنهى غضبا لله من قلبه ، مغ غضب بدنه ولسانه ، إذا كان الصالح غضبهما ، ويستعمل الشهوية فيما يشتهيه من أمر الآخرة والدين وإعزازه وإقامته ، فإن الملائكة لما علموا بالقوى الثلاث : القوة الشهوية والغضبية والعقلية ترجح عندهم أو تعين أن الواحدة لا غلب اثنتين وغفلواعما ذكرت . وعن المخلوق يحصل ما لا يصحله غير المركب من نوعين فصاعداً ، ألا ترى الأدوية المركبة ، كيف تنفع نفعا لا تفيده الأجزاء التى تركب منها ، كذلك الإنسان لما تركب من أجزاء مختلفة ، وقوى متباينة ، صار مستعدا لإدراك أنواع المدركات : من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات ، مستنبطاً للصناعات ومحيطا بالجزئيات ومستخرجا لمنافع الكائنات من القوة إلى الفعل ، من عبادة وصناعة ، وآراء سديدة ، وسياسات مما به صلاح الدين والدنيا . والله أعلم . وذلك مقصود بالاستخلاف لكون فوائد استخلافه لا يحصيها إلى خالقها ، أجابهم بجواب مبهم تفخيما له إذ قال : ﴿ إِنَّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ولم يقل إنى أخلقه لكذا . قال فى عرائس القرآن : قالت الحكماء خلق الله تعالى الخلق ليظهر وجوده ، فلو لم يخلق الخلق لما عرف إنه موجود ، وليظهر كمال عقله وقدرته ، بظهور أفعاله المتقنة ، لأنها لا تتأتى إلا من قادر حكيم .

٢٢٥ / ٧٬٦٨٠