30
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦وليعبد فإنه تجب له عبادة العابدين ، ويثيبهم عليهم على قدر أفعاله لا أفعالهم ، وإنه غنى عن عبادة خلقه لا تزيد فى ملكه طاعة المطيعين ، ولا تنقص من ملكه معصية العاصين ، قال الله تعالى : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ وليظهر إحسانه أنه محسن ، وأوجدهم ليحسن إليهم وليتفضل عليهم بفضله ، لأنه يقضى بالعدل وخلق المؤمنين خاصة للرحمة . كما قال الله D : ﴿ وكان بالمؤمنين رحيما ﴾ وقال : { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وقال جعفر بن محمد الصادق والضحاك : أى للرحمة خلقهم وليحمدوه ، فإنه يجب له الحمد . ويروى أن آدم عليه السلام لما خلقه الله تعالى ، عرض عليه ذريته ، ووجد فيهم الصحيح والسقيم ، والحسن والقبيح ، والأسود والأبيض . قال : يا رب هلا سويت بينهم ، فقال الله تعالى : إنى أحب أن أشكر . قال أبو الحسن : خلق الله تعالى الملائكة للقدرة ، وخلق الأشياء للعزة ، وخلق بنى آدم للمحبة . قال الله تعالى : ﴿ الله الذى خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم ﴾ قالت العلماء : خلقكم لإظهار القدرة ، ثم رزقكم لإظهار الكرم ، ثم يميتكم لإظهار القهر ، ثم يحييكم لإظهار الفضل والعدل والثواب والعقاب .
ومنهم من قال : خلق الخلق جميعاً لأجل محمد - A - وعن ابن عباس رضى الله عنه : أوحى الله تعالى إلى عيسى - عليه السلام - أن آمن بمحمد وأمر أمتكم يؤمنوا به . ولولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار ، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن . قيل خلقهم لأمر عظيم غيب عنهم ، لا يظهره حتى يحل بهم ما خلقهم له . قال الله تعالى : ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ ؟ قال على بن أبى طالب : يا أيها الناس اتقوا ربكم ، فما خلق امرؤ عبثا فيملكم . قال الأوزاعى : بلغنى أن فى السماء ملكا ينادى كل يوم : ألا ليت الخلق لم يخلقوا ، ويا ليتهم إذا خلقوا عرفوا لماذا خلقوا ، وجلسوا فذكروا ما عملوا . وكان ابن عبد الرحمن الزاهد يقول فى مناجاته : اللهم غيبت عنى أجلى ، وأحصيت على عملى ، ولا أدريى إلى أ الدارين تصيرنى ، لقد أوقفتنى وقفة المحزونين ما أبقيتنى . وقال أبو الهيثم الحكيم إن الله تعالى جعل ابن آدم بين البلوى والبلى فما دام الروح فى جسده لا يخلو من البلوى ، فاذا فارق الروح صار إل البلى ، فأنى له السرور وهو بين البلوى والبلى؟ وكان بعض الحكماء يقول : يا ابن آدم انظر إلى خطر مقامك فى الدنيا ، إن ربك حلف لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين . وإن إبليس حلف فقال : فبعزتك لأغوينهم أجميعن . فأنت المسكين بين الله وبين إبليس ، مطروح لاه ساه ، ولما أراد الله خلق آدم عليه السلام ، أوحى الله إلى الأرض إنى خالق منك خلقاً منم من يطيعنى ومن يعصينى ، فمن أطاعنى أدخله الجنة ومن عصانى أدخلته النار .