30
الجزء ١ · صفحة ٢٢٩فكان ذلك أول من جرى على لسانه ، فأجابه الله D : يرحمك الله يا آدم ، للرحمة خلقتك . وقال تعالى : ورحمتى سبقت غضى . ثم نزلت إلى صدره ، فأخذ يعالج القيام فلم يمكنه . وذلك قوله : ﴿ وكان الإنسان عجولا ﴾ ولما وصلت الروح إلى جوفه اشتهى الطعام ، فهو أول حرص دخل على آدم فى جسده . وفى بعض الأخبار أن آدم - عليه السلام - لما قال له ربه D : يرحمك الله ، مد آدم يده ووضعها على أم رأسه ، وقال أواه ، فقال الله تعالى : ما لك يا آدم؟ فقال : إنى أذنبت ذنبا ، فقال له : ومن أين علمت ذلك؟ فقال : إن الرحمة للمذنبين . فصار ذلك سنة فى أولاده ، إذا أصابت أحدهم مصيبة أو محنة ، وضع يده على رأسه وتأوه . ثم انتشرت الروح فى جسده كله ، فصار لحماً ودماً وعظما وعروقا وعصبا ، ثم كساه الله - تعالى - لباسا من ظفر يزداد كل يوم حسنا فلما قارف الذنب بدل بهذا الجلد ، وأبقيت منه بقية فى أنامله ليتذكر به أول حاله .
قال عبد الله بن الحارث : كانت الدواب تتكلم قبل خلق آدم - عليه السلام - وكان النسر يأتى الحوت فى البحر فيخبره بما فى البر ، ويخبره الحوت فما فى البحر . فلما خلق الله آدم جاء النسر إلى الحوت وقال : لقد خلق اليوم خلق ليزيلنى من وكرى ، وليخرجنك من البحر . وفى رواية له قبض وبسط ولما نفخ الوح فيه قرطه الله وشنفه ، وصوره وختمه ومنطقه ، ألبسه من لباس الجنة ، وزينه بأنواع الزينة ، يخرج من ثنايها نوع كشعاع الشمس ، ونور محمد - A - يلمع من جبينه ، كالقمر ليلة البدر . ثم رفعه الملائكة فوق سرير على أكتافهم بأمر الله - عز ودل - وقال لهم : طوفوا به فى سمواتى ليرى عجائبها وما فيها وليزداد يقينا . وقالت الملائكة : لبيك ربنا سمعنا وأطعنا ، فحملته الملائكة على أعناقها ، فطافت به الملائكة السموات مقدار مائة عام ، حتى وقفوا به على كل شئ من آياتها وعجائبها . ثم خلق الله فرساً من المسك الأذفر ، يقال له : الميمون له جناحان من الدر والمرجان ، فركبه آدم - عليه السلام - وجبريل أخذ بلجامه ، وميكائيل عن يمينه ، وإسرافيل عن يساره ، وآدم عليه السلام يقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . قال الله - D - يا آدم هذه تحيتك وتحية المؤمنين من ذريتك فيما بينهم إلى يوم القيامة . وروى أن الله - جل وعلا - قال للأرض : إنى أخلق منك خلقاً : منهم من يطيعنى ، ومن يعصينى ، فمن أطاعنى أدخلته الجنة ، ومن عصانى أدخلته النار . فبكت الأرض فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة . وروى أنه لما أخذ منها عزرائيل قبضة وصعد منها إلى السماء ، سأله ربه - D - وهو أعلم عما صنع ، فأخبره بما قالت الأرض وبما رد عليها ، فقال الله D : وعزتى وجلالى لأخلقن مما جعلت به خلقاً ، ولأسلطنك على قبض أرواحهم ، لقلة رحمتك .