1
الجزء ١ · صفحة ٤٩﴿ حم ﴾ فصلت و ﴿ ص ﴾ وغيرهما ، فلم ينكروا ذلك ، بل صرحوا بالتسليم له فى البلاغة والفصاحة مع تشوفهم إلى غيره وحرصهم على زلة ، فدل على أنه كان أمرا معروفاً بينهم لا إنكار فيه . أنتهى . والمختار عندهم أنها من الأسرار التى لا يعلمها إلا الله جل وعلا ، أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل كتاب سرا ، وإن سر القرآن فواتح السور ، ومثله عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ، وعثمان بن عفان وعلى ، قلت ويحتمل أن يريدوا بالسور الأمر الكريم العزيز ، فإنه يسمى سرا تشبيهاً له بالكنز العظيم المصون المسرور به ونحوه ، وإنها سر بين الله ورسوله ، ورموز إذا لم يقصد بها إفهام غيره ، وذكر بعض إنها من المتشابه فيكون فيها الخلاف ، هل يعرفها الراسخون فى العلم أم لا يعرفها أحد على اختلافهم فى المتشابه ، فتراهم خاضون فيها بأقوال وأخبار . وإن قلت إذا كانت سرا لا يعلمه غير الله عز وعلا فما فائدة ذكرها؟ قلت : فائدة ذكرها الإيمان بها ، وقال قطرب تلميذ سيبويه : هى حروف مزيدة للتنبيه والدلالة على انقطاع كلام واستئناف آخر ، واعترض القاضى ، بأن هذه الألفاظ لم تعهد مزيدة للتنبيه والدلالة على الانقطاع ، ولا يخفى ان الاستئناف يلزمها وغيرها من حيث إنها فواتح السور ، ولا يقتضى ذلك ألا يكون لها معنى فى حيزها ، وعندى ان قول قطرب حسن ، وكنت أشبه المقام بمقام من أراد أن يتكلم لمن استغرق قله فى شئ ، فيقدم إليه ما يصغى به إلى الكلام كأن يجيده أو يغمز بدنه أو يقرعه بالحصى ، ومن ذلك الوادى أن تشير إلى من كان فى كلام دنيوى بالبسملة تنبيهاً على أن يقر ، ثم رأيت عن الجوينى ما يناسبه إذ قال : القول بأنها تنبيه جيد ، لأن القرآن كلام عزيز ، وفوائدة عزيزة ، فينبغى أن يرد على سمع متنبه ، فكان من الجائز أن يكون الله قد علم فى بعض الأوقات كون النبى A فى عالم البشر مشغولا فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله آلم آلم حم ، ليسمع النبى A صوت جبريل فيقبل عليه ويصغى إليه ، وإنما لم تستعمل الكلمات المشهورة فى التنبيه كألا وأما ، لأنها من الألفاظ التى تعارفها الناس فى كلامهم ، والقرآن كلام لا يشبه الكلام فناسب أن يؤتى فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد لتكون أبلغ فى قرع سمعه .