3
الجزء ١ · صفحة ٧٢واعلم أن الوحدانية وسائر صفاته تعالى الذاتية قديمة ، والإيمان مخلوق قطعاً ، لأنه قول واعتقاد أو اعتقاد أو كلاهما وعمل ، وإنما القديم وبعض متعلقاته وهو الصفات الذاتية وهى مراد من قال غير مخلوق ، فالخلاف لفظى نسب الأول لجمع من الحنفية وأبى حنيفة ، والثانى الآخرين منهم وأحمد وجماعة من المحدثين وأبي الحسن الأشعرى ، والله أعلم . ومنع أبو حنيفة وأصحابه : أنا مؤمن إن شاء الله ، وإنما يقال أنا مؤمن حقاً ، وأجازه آخرون . قال السبكى هو وأكثر السلف من الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم الشافعية والماليكة والحنابلة ، ومن المتكلمين الأشعرية وسفيان الثورى ، وذكر النووى فى شرح مسلم عن أكثر المتكلمين من الشافعية أنه لا يقال : أنا مؤمن مقتصراً عليه ، بل يضم إليه إن شاء الله ، وعن الأوزاعى وغيره التخيير وهو حسن صحيح إذ من أطلقه نظر إلى أنه جازم فى الحال ، ومن قال إن شاء الله قال إما للتبرك أو للجمل بالخاتمة ، فإن من شك فى إيمانه كافر ، وقد صرح بإن شاء الله فما هو قطعى ، كقوله تعالى : ﴿ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ﴾ تعليما وتأديبا للعباد فى صرف المشيئة إلى الله تعالى ، ووجه بعضهم تقييده بإن شاء الله بأنه يوهم عدم الجزم بالإيمان ، وعدم الجزم به كفر وبأنه قد تعتاد نفسه التردد فتميل إلى الشك ، ويجاب بأنه لا إيهام مع القرائن ولا ميل إلى الشك ، مع اعتقاده التبرك عند النطق بإن شاء الله ، وإن غفل عن اعتقاد التبرك ولم يعتقد شكا فهو باق على إيمانه ، فإن الإيمان باق فى حال النوم والسكر والإغماء والجنون ، والغفلة والنوم والموت ، كبقاء نحو النكاح وسائر العقود فى هذه الأحوال .
قال بعض أصحابنا : الدين والإسلام والإيمان مختلفة المفهوم متحدة المعاني ، فلا يوجد بالتحقيق أحدها دون الآخر ، ويدل عليه حديث جبريل السابق ، وفى الوضع والسؤالات أنها مترادفة ، وقيل متباينة ، وقيل متلازمة مرتبطة ، والتحقيق أنها تستعمل تارة مترادفة وتارة متباينة ، ويطلق كل على ما يطلق عليه الآخر ، فإذا أطلق الدين على الأحكام الشرعية ، مثل أن يحكم على كذا بالحل وعلى كذا بالتحريم ، والإيمان على التصديق ، والإسلام على الانقياد والامتثال ، فقد تباين اللفظ والمعنى والمحل ، واستعمل الإسلام عاما والإيمان خاصا فى قوله تعالى : ﴿ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ﴾ فمعنى قوله : ﴿من المؤمنين﴾ من المصدقين حقيقة التصديق والعمل لازمه ومرتب عليه لأجزائه ، ومعنى قوله : ﴿من المسلمين﴾ من المصدقين العاملين ، ففيهما تداخل أدخل الإيمان تحت الإسلام ، وتحتمل الآية الترادف ومن ذلك قوله تعالى :