هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

3

الجزء ١ · صفحة ٧٣

﴿ إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ﴾ ، يحتمل هذا أيضاً التداخل المذكور ، والترادف ، ومن التداخل ما روي فى حديث سعيد : أنه صلى الله عليه وسلم أعطى رجلا ولم يعط الآخر ، فقال له سعيد : يا رسول الله تركت فلاناً فلم تعطه وهو مؤمن ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أومسلم؟ » فقال سعيد : هو مؤمن ، فقال صلى الله عليه وسلم : « أومسلم » ؟ يريد صلى الله عليه وسلم هل هو بعد كونه مؤمناً مسلم أم مؤمن غير مسلم؟ فأراد الإسلام العام بمعنى التصديق والعمل ، وأراد بالإيمان التصديق . وسعيد لم يفهم ذلك منه ، ومن التداخل أيضاً حديث : « أي الأعمال أفضل؟ فقال : الإسلام » أى أعمال القلب والجوارح فقيل : « أي الإسلام أفضل؟ فقال : الإيمان » أى التصديق ، فجعل الإيمان جزءاً من الإسلام داخلا تحت عمومه ، ومن التداخل بني الإسلام على خمس على أن يوحد الله تعالى… الحديث ، فالتوحيد اعتقاد الوحدة واعتقادها تصديق ، فهو الإيمان ، وأما اللسان فترجمان ، ففي الحديث جعل الإيمان داخلا تحت الإسلام خاصاً تحت عمومه ، واستعمل الإيمان مرادفاً للإسلام العام المذكور أيضاً ، حين سئل عن الإيمان مرة أخرى . فأجاب بهذه الخمس ، فإذا اعتبرت هذا الحديث الأخير مع الإسلام المستعمل خاصا فى العمل ، وجدت الإيمان عاما والإسلام خاصا ، ومن تخالفهما قوله تعالى : ﴿ قالت الأعراب آمنا ﴾ ، . . . الآية قيل أراد بالإيمان التصديق بالقلب ، وأراد بالإسلام الاستسلام باللسان والجوارح ، ثم إنه لا شك عندي أن الإيمان محله القلب ، لأنه التصديق ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ الإيمان ها هنا ﴾ وأشار إلى صدره ، وقوله تعالى : ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان ﴾ ونحو ذلك مما مر غير أنه يختلف هل يقبل منه ذلك ويثاب عليه أو لا؟ إلا إن أقر ، وهل الإقرار شرط أو شطر فى الشرع ، أو لا شرط ولا شطر؟ . . وهل هو حقيقة عرفية شرعية في الاعتقاد فقط ، أو فيه مع الإقرار ، أو فيهما مع العمل ، أو هو موضوع بالاشتراك لكل من ذلك؟ والله أعلم .

ومذهبنا أن الإيمان يزيد وينقص في ذاته ، ويزيد وينقص بزيادة ما يؤمن به ، وعدم زيادته ونسيان ما آمن به ، فكلما كثر إمعان النظر فى الأدلة والبراهين قوي الإيمان ، وكلما قل ذلك ضعف ، فإذا قوي كان كمن يشاهد محسوساً وصدق به ، وإذا ضعف كان كمن يصدق بشيء غائب ، وكلما عثر على شيء مما يؤمن به فآمن به قد زاد إيمان له بعد إيمان ، وإذا نسيه فقد نقص عنه هذا الإيمان الذي زاد ، ويدل لذلك قول ربنا تبارك وتعالى : ﴿ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً ﴾

٧٣ / ٧٬٦٨٠