3
الجزء ١ · صفحة ٧٥﴿ أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ﴾ فهو كمن علم ببستان فى غاية النضر والخضرة ، فنازعته نفسه فى مشاهدته ، فإنها لا تسكن ولا تطمئن إلا إن شاهدته ، فطلب بذلك سكون قلبه عن المنازعة إلى رؤية تلك الكيفية التى طلب رؤيتها ، وأنه طلب العلم البديهي بعد العلم الاستدلالي. والله أعلم .
والغيب فى الأصل مصدر بمعنى الغيبوية والخفاء ، وأخرج عن ذلك واستعمل بمعنى اسم الفاعل ، كأنه قيل : يؤمنون بالشئ الغائب ، وهو البعث ورضا الله سبحانه وتعالى وسخطه ، والجنة والنار والملائكة ، والقضاء والقدر ونحو ذلك . فالباء للتعدية متعلقة بيؤمنون ، ويجوز أن يكون فى الآية وما أشبهها وصفاً من أول الأمر أصله ، غيب بفتح الغين وكسر الياء مشددة ، حذفت الياء المتحركة وبقيت المدغمة ، فهو قبل التخفيف يوزن فيعل بفتح الفاء وإسكان الياء وكسر العين ، أو بوزن فعيل بفتح فكسر وإسكان ، ووقع القلب المكانى كما قيل فى سيد وميت ولين وهين ونحو ذلك ، والمراد بالغائب الذى يؤمنون به ما لا يدركه حس كما مر التمثيل به أنفاً ، ولا تقتضيه بدلالة العقل ، سواء كان عليه دليل كالأمثلة المذكورة أو لم يكن ، وهو المراد بقوله تعالى : ﴿ وعند مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ﴾ ، ويجوز كون الغيب باقياً على المصدرية ، والباء بمعنى مع تتعلق بمحذوف حال ، أى يؤمنون ملتبسين بالغيب ، أى بالغيبة والخفاء ، أو بمعنى فى تتعلق بيؤمنون ، والمعنى على هذين الوجهين أنهم يؤمنون حال غيبة عن رسول الله - A - وعن أصحابه ، كما يؤمنون حال حضروهم ، لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ، ويجوز على الوجهين كون الغيبة عما يؤمن به ، بفتح الميم ، قال ابن مسعود رضى الله عنه : والذى لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ هذه الآية ، رواه الحاكم وصححه ، ويجوز كون أراد بالغيب الخفاء كما ذكر ، والباء بمعنى فى ذكر ، لكن المعنى يؤمنون فى قلوبهم لا فى ألسنتهم فقط ، وهو بمعنى الغائب الذى هو القلب ، أى يؤمنون بالقلب لا باللسان فقط ، لكن بقولون فأفواههم ما ليس فى قلوبهم ، فالباء للآلة ، ويبعد أن تجعل الهمزة للتعدية والباء للسببية ، أى يؤمن نفسه من عذاب الله بسبب الغيب ، إذ صدق به وتفسير الغيب على العموم السابق هو ما ظهر لى ، وبه قال ابن عباس : وقيل الغيب : الله تعالى ، وقيل القرآن ، وقيل الآخرة ، وقيل الوحى ، وقيل القدر ، ويحتمل أن يريد أصحاب هذه الأقوال التمثيل ، والقول بالقرآن صادق بالعموم ، لاشتماله على جميع ما يؤمن به .
﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ﴾ : يأتون بالصلوات الخمس قائمة معتدلة ، راغبين فيها كالإنسان الحسن الصورة المنتصب المعتدل ، بأن تكون بطهارة وخشوع وإتمام وفى وقتها لا قبل ولا بعد ، ولا فى وقتها الضرورى ، ولا يأتون بها معوجة كالإنسان المعوج المنتكس ، بأن تكون بلا طهر ، أو بلا خشوع ، أو بنقر أو التفات ، أو فى غير وقتها ، أو بتهاون بها ، سواء صليت فى وقتها أو فى وسطه أو فى الجزء الضرورى منه ، فإنما الحقيق بالمدح والثواب من يأتى بها قائمة معتدلة كما وصفت ، لأنه هو الذى أتى بحدودها الظاهرة والباطنة .