هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

3

الجزء ١ · صفحة ٧٦

فهو المخلص ، وإنما يقبل من الأعما ما كان مخلصاً ومن يرائى بها لم يصدق عليه أنه خاشع ، فهو غير مخلص ، وكذا من كدرها بنو تهاون أو الفاوت أو عدم الطهر ، فيكون قد شُبهت الصلاة المحافظ عليها بإنسان منتصب القامة معتدلا حسناً مرغوباً فيه ، قال الله تعالى : ﴿ ولقد كرمنا بنى آدم ﴾ ﴿ ولقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ﴾ ، ورمز إلى ذلك التشبيه بإثبات لازم الإنسان لها وهو الإقامة ، فإن الله جل وعلا قد جعل الإنسان معتدلا منتصباً مطلقاً ، وإنما زدت فى الشبه كونه حسناً مرغوباً فيه لقرينة المقام أنها لا تشبه بإنسان خسيس ، فتلك استعارة مكنية ، ويجوز أن يشبه الإتيان بالصلاة على وجهها يجعل الشئ من إنسان أو غيره قائماً ، فاستعير لذلك الإتيان لفظ الإقامة بمعنى الإتيان ، فاشتق منهم مقيم بمعنى يأتى بها على وجهها ، فتلك استعارة تبعية ، وإنما خصصت المشبه به بقيام ، لأن الشئ ينتفع به غالباً إذا كان قائماً ، وبالقيام يكون الانتفاع العظيم ، ويجوزأن يكون يقيمون الصلاة بمعنى يديمونها من قولك أقمت السوق ، أى جعلتها قائمة ، أى نافقة فإنها إذا كانت نافقة طال مدتها ، وإذا كسدت انقطعت وزالت ، ففى ذلك استعارة بالكناية إذ شبه الصلاة بالسوق تشبيهاً غير مصرح ورمز إليه بذكر لازم السوق وهو الإقامة بمعنى التصيير نافقة أو استعارة تبعية إذ شبه الإتيان بالصلاة على وجهها بإنفاق السوق المسمى بالإقامة ، فسمى ذلك بلفظ الإقامة ، واشتق منه يقيم بمعنى يأتى بها على وجهها ، وتسمية إنفاق السوق إقامة مجاز وقد أجيز بنا مجاز على مجاز أو هى حقيقة عرفية ، والجامع بين الصلاة والسوق الرغبة فى كل لإيصاله إلى فائدة ، ويجوز أن يكون يقيمون بمعنى يتشمرون لها من غير فتور ولا توان ولا تهاون ولا تقصير فى مر من أمورها ، يقال قام بالأمر وأقامه إذا جد فيه وتجلد ، وضده قعد عن الأمر وتقاعد شبه التهيؤ لأداء الصلاة بالقيام بأمر من الأمور الدنيوية التى يجتهد فيها لا بأمر من الأمور مطلقاً ، لأن الصلاة من الأمور المطلقة ، فلو كان كذلك لم تحتج إلى التشبيه ، ويجوز أن يقال شبه الإتيان بالصلاة على وجهها بإقامة جسم ثقيل بعد امتداده على الأرض ، أو بالقيام به فى الأرض على استواء القامة ، ويجوز أن يكون يقيمون الصلاة بمعنى يؤدونها ، فسميت أديتها باسم بعض تأديتها ، وذلك البعض هو الوقوف فيها كما تسمى الصلاة بالركوع أو بالسجود الذى هو بعضها ، وإن قلت اشترط غير واحد فى البعث الذى يسمى الكل باسمه أن تكون له مزية اختصاص فى مقام الكلام ، قلت نعم ولا مانع من أن يكون لمتعدد من أبعاضه مزية تقصد مزية هذا فى الكلام ، ومزية ذلك فى كلام آخر ، فيقصد للقيام فى الصلاة مزية للتعب فى القيام ، وكونه على صورة المهنئ للخدمة ، فتسمى تأديتها باسم القيام ، ويقصد فى كلام آخر مزية للركوع ولسجود لما فيهما من ظهور الخضوع ، فتسمى تأديتها باسم أحدهما ، وقيد فى كلام آخر مزية للقراءة ، لأن القرآن كلام الله جل وعلا ، ولأنه المقيد للحلال والحرام والواجب وغيره ، والمشعر بوجوب الصلاة فتسمى باسم القرآن ، والله أعلم .

٧٦ / ٧٬٦٨٠