6
الجزء ١ · صفحة ٩٢والجواب فى نفسه صحيح لإثبات الكلام النفسى فلا نسلمه فانتفى قدم القرآن ، وثبت حدوثه ، وذلك أنه لا يمكن لعاقل أن يقول :
إن ما نلفظ به قديم لحدوث التلفظ وفنائه ، ولا أن نقول إن النقوش فى اللوح المحفوظ وألواحنا ونحو ذلك قديم لحدوثه وفنائه . وكل من اللفظ والتفش محدود متحيز مركب ، فالقديم لا يكون كذلك . فلم يبق إلا أن يقول مرادنا بقدم القرآن أنه كلام نفسى لله تعالى ، وهذا الكلام النفسى يستلزم الحلول والظرفية وتحيز الظرف وإثبات ذلك فى حقه تعالى محال ، لأنه صفة محلوق حادث ، وإن قالوا إن الكلام النفسى وصف قديم ناقص كلامهم ، لأنما هو صفة مخلوق لا يكون قديماً ، وإن قالوا بقدمه لزم تعدد القديم ، وإنما القديم علمه تعالى ، وهو هو لا غيره ، بمعنى أنه ليس صفة حالية فيه ولا بعضه بل انكشاف الكائنات كلها له . وإنما القديم علمه تعالى بما سيكون كله مما فى القرآن وغيره ، وإنه خلق القرأن ونقوشه تلفظ الخلق به .
﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ﴾ : سواء خبر لإن ، وأنذر وتنذر فى تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية بسواء ، لأن سواء مصدر بمعنى اسم الفاعل ، أى مستو عليهم إنذارك وعدمه . أو خبر لهذا المصدر ، والجملة خبر لإن . أى إنذارك وعدمه سواء ، وذكروا أن الفعل فى باب التسوية يؤول بالمصدر بدون وجود حرف مصدر . وقيل إن الهمزة بعد سواء حرف مصدر . وقيل إن الفعل إذا أريد به مطلق الحدوث المدلول عليه ضمنا على الاتساع ، عومل معاملة المصدر ، لأن المقصدود حينئذ بالذات هو مطلق الحدث المذكور ، الذى هو معنى المصدر ، فيصح الإسناد إليه بلا تأويل بمصدر ، ويصح الإضافة كذلك ، فمن الإسناد إليه أن يجعل مبتدأ مثل أن يجعل أنذر مبتدأ ، لتضمينه معنى إنذار . فتقدر الضمة فى آخره . ومثل أن نجعل تسمع ، مبتدأ لتضمينه معنى السماع فى قولهم : تسمع بالمعيدى خير من أن تراه . فالرفع الذى فيه رفع المبتدأ أو من الإسناد إليه أن يجعل فاعلا . نحو أعجبنى تقوم فتقوم فاعل لتضمينه معنى قيام ومن الإضافة قوله تعالى : ﴿ يوم ينفع الصادقين صدقه ﴾ ونحوه مما المضاف ظرف ، كما يصح الإسناد إليه إذا يريد لفظه ، نحو : ضرب فعل ماض . ونحو قوله تعالى : ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا ﴾ أى لفظ آمنوا . والمشهور فى باب التسوية وغيرها أن المبتدأ هو المصدر المقدر ، وأن الحرف المصدرى مقدر ، فى نحو : تسمع بالمعيدى ، ولا مانع من تقديره عندى فى باب التسوية ، حذف وعوضت عنه فيه الهمزة وإن المضاف إليه أو المحكى هو الجملة لا الفعل وحده . وإن قلت إذا كان الفعل المطلق الحدث هنا كالمصد فلم لم يؤت بالمصدر دونه؟ قلت : لأن الفعل ولو قصد به مطلق الحدث لكنه مشعر بالتجدد ، فقصدت الإشارة إليه بالفعل ، ولو عبر بالمصدر لم يدل عليه .