جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

4- الإعجاز الخبري

الجزء ١ · صفحة ١٤٠

،ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء 00 ) ( الروم/2، 3) فقد كان نزول هذه الآيات في حال ما اشتد الصدام بين الإمبراطوريتين الكبيرتين آنذاك: الإمبراطورية الرومانية التي كان على رأسها قيصر، واندحرت جموع بني الأصفر أمام الزحف الساساني وسر العرب المشركون لكون الروم يشاركون المسلمين في الإيمان بكتاب سماوي بينما الفرس كانوا مجوسا يجامعون مشركي العرب في الإيمان بكتاب بعقيدة سماوية وساء المسلمين هذا الانتصار الوثني على قوم من أهل الكتاب فأنزل الله تعالى هذه الآيات تحمل بشرى إلى المؤمنين بأن المنتصرين لا يلبثون أن يندحروا وأن الروم المغلوبين سوف يظهرون على عدوهم في بضع سنين ولم يكن ذلك يدور بخلد أحد من الناس فمن الذي يستطيع أن يجزم بأن المغلوب سيصبح غالبا وأن الغالب سينقلب مغلوبا؟ وقد كانت ثقة المؤمنين بالوحي ثقة لا تعادلها ثقة وهذا الذي دفع أبا بكر الصديق(رضي الله عنه) إلى مراهنة المشركين على ما وعد الله به وذلك قبل حرمة الرهان في الإسلام فقد راهنهم على أربع قلائص لمدة سبع سنين فمضت السبع ولم ينتصر الروم على الفرس فشق ذلك على المسلمين فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزايدهم في الرهان وأن يستزيدهم سنتين فلم تمض السنتان حتى جاءت الأخبار بانتصار الروم على مجوس فارس وثبت ما وعد الله به المؤمنين من هذا الانتصار الذي يفرحون به فلو أن هذا الوعد كان ناتجا عن تفكير إنسان يعتمد على مقاييس الناس في تجاربهم لكان ذلك معدودا من الأوهام التي لا يعتمد عليها عاقل، فإن الحرب وإن كانت سجالا ينتصر فيها المغلوب ويهزم فيها الغالب فقد يكون الانتصار في بعض المواقف لعدو على عدوه مفتاحا لنصر طويل حتى يتمكن الغالب من القضاء على المغلوب وقد حدث ذلك كثيرا في تاريخ الحروب القديمة والحديثة فلا يمكن الجزم بظهور المغلوب على الغالب، وخصوصا مع تحديد الزمن ببضع سنين إلا بوحي ممن يعلم السر وأخفى، وتصديق

الواقع للخبر في الزمن المحدد دليل جازم على أن هذا القرآن جاء بالخبر هو من عند الله تعالى فإن ذلك من معالم إعجازه البارزة.

١٢٦ / ١٬٢٢٠