جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

4- الإعجاز الخبري

الجزء ١ · صفحة ١٤٢

أما خبر المستقبل فهو في القرآن كثير جدا ونكتفي بالإشارة إلى بعض المواضع راجين من الله سبحانه أن يمن علينا بالتوفيق للإطالة في شرح هذا الإعجاز عندما نصل إلى هذه المواضع في التفسير فمن ذلك ما في سورة الفتح من بشائر متعددة وأخبار متنوعة وكان نزول السورة على الرسول صلى الله عليه وسلم في جو عابس مكفهر بعد ما كان المسلمون يكاد يستحكم في نفوسهم اليأس ويستولي على قلوبهم الشعور بالهزيمة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُريَ في منامه أنه داخل مع أصحابه المسجد الحرام وهو محلقون رءوسهم ومقصرون بعد تأدية الشعائر- ورؤيا النبيين حق- لأن الشيطان لا يتمثل لهم، فاستنفر الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين ليذهبوا معه محرمين إلى البيت العتيق الذي تحدوهم إليه لواعج الشوق بعد طول عهدهم به لحيلولة المشركين بينهم وبينه وكان ذلك في العام السادس الهجري فاستبشر مرضى القلوب من أهل المدينة بهذه المبادرة من المسلمين التي كانوا يتصورونها مغامرة جنونية ستؤدي بهم إلى الفناء، وكانت ألسنتهم تجري بما تفيض به قلوبهم المريضة من ظنون، فتردد أن قريشا قد غزت النبي- عليه أفضل الصلاة والسلام- في عقر داره ورزأته في كثير من أصحابه فكيف وهو يذهب بأصحابه إلى دارهم فهل ترضى الأنفة القريشية والحمية العربية التي تتأجج نارها في صدورهم أن يمر بهم خصومهم ويطأوا ترابهم من غير أن يبيدوهم عن بكرة أبيهم؟ هذه الخواطر كانت تعتمل في نفوس المنافقين في المدينة ويتحدثون بها فيما بينهم هذا ولم يكد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يستنشقون عبير البيت الحرام ويشمون العرف الذكي من التربة الحرمية المقدسة حتى وقف بين أيديهم المشركون سدا منيعا يحولون بينهم وبين ما يطمحون إليه، وبركت ناقته صلى الله عليه وسلم مكانها بالحديبية ولم تتقدم خطوة إلى

١٢٧ / ١٬٢٢٠