نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يس

الجزء ١٤ · صفحة ٣٣٩

وقوله تعالى: (تَاخُذُهُمْ وَهُمْ يَخَصِّمُونَ)، والأخذ هو تناول الشيء والقبض عليه بشدة وهي هنا بمعنى الإهلاك والإفناء، وتقع جملة: (وَهُمْ يَخَصِّمُونَ) موقع الحال، بمعنى تأخذهم على غرّة، وهم في غمرة التعامل والتبادل في الشؤون الدنيوية، وقد وضّح رسول الله ذلك في حديث يتبيّن فيه عنصر المباغتة من واقع الناس وهم منشغلون بأمور دنياهم فقال: «تقوم الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، وتقوم الساعة والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فلا يسقيها، وتقوم الساعة والرجل يخفض ميزانه فلا يرفعه، وتقوم الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمها».(1) وهذا البيان التفصيليّ من رسول الله قد أوجزته جملة: (وَهُمْ يَخَصِّمُونَ) بأبلغ تعبير باختيار فعل الخصام من تبادل المنافع التي يؤدي … -أحيانا- إلى الملاحاة والخصومة في الأسواق والمعاملات التجارية.

ولتأكيد عنصر المباغتة قال تعالى مفرّعا على حدوث الصيحة: (فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلآَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ)، لله ما أعجب هذا التصوير لحالة الفزع والهلع يوم ينسى النّاس كلّ الرّوابط والعلائق حتى مع أقرب الناس إليهم حتى بإرسال التوصية وإبلاغ التحية، وصدق الله العظيم في تأكيد ذلك بقوله: (بَلْ تَاتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ) (الأنبياء:40).

(1) 1 - أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب (84) الرقاق، باب (40) طلوع الشمس من مغربها، رقم 6141.

٤٬٦٥١ / ٦٬٧٦٧