سورة يس
الجزء ١٤ · صفحة ٣٤١وهاهم يعاينون ما وعد به الرحمن من البعث والنشور، وقد صدق المرسلون في ما أخبروهم به من شأنهما، فيعترفون مجبرين، بأنّ وعد الله حقّ وإخبار المرسلين صدق، ولكنهم في يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، والذي دفعهم إلى ذلك التفجّع هو تعجبهم من حصول عملية البعث من القبور، والتي كانوا ينكرونها في الدنيا يتعجبون كيف حصلت ومن هو فاعلها: (مَنم بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا)، ولكنهم سرعان ما رجعوا على أنفسهم باللوم والعتاب فيذكر بعضهم بعضا بقولهم: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ).
وفي اختيار صفة "الرحمن" للذات العلية إيماء إلى إنكارهم الدنيوي للسجود له عندما قالوا: (وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا) (الفرقان:60). ومن المفسّرين من اعتبر الجملة من كلام الملائكة على وجه التبكيت والتنديم.
وقد جرت العادة في "ميزاب" أن يردّد المؤمنون هذه الآية عندما ينتهون من صلاة الجنازة أو عند حمل الميّت إلى مرقده الأخير، وهي تذكّر الأحياء بالمصير المحتوم الذي ينتظرهم.
(إِن كَانَتِ اِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ): الظاهر أنّ الصّيحة هنا هي بيان لقوله في الآية السابقة: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ)، أي النفخة الثانية للبعث تكررت للتوكيد، وليفرّع عنها قوله: (فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ)، أعيد فيها حرف المفاجأة: (فَإِذَا) وقوله: (فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ).
وزيادة: (جَمِيعٌ) هي للدلالة على كيفية التجميع، وأنه تجميع حشدي غير متفرق تطوّقه ملائكة الله بحيث لا ينفلت أحد للحضور بين يدي رب العالمين للحساب وفصل القضاء، كما قال تعالى: (يَوْمَ تَشَّقَّقُ الاَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَالِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ) (قّ:44).