سورة الصّافّات
الجزء ١٤ · صفحة ٤٠٩بعد الإشارة المختصرة إلى ما حلّ بالأمم السابقة من الهلاك والدمار بعد تكذيبها برسل الله، والأمر بالنّظر في آثارها للتذكير والاعتبار اتّبع الله ذلك بذكر تفاصيل القصص لبعض الأنبياء، فبدأ بقصة نوح عليه السلام مع قومه على اعتباره من أولي العزم من الرسل، نظرا لطول المدة في دعوته، ولما عاناه مع قومه من الإذاية والمكر والتهديد، وتأتي قصته في بيان مختصر بليغ إذ قال تعالى: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ).
بدأ القصّة باللاّم المشعرة بالقسم و"قد" لتأكيد نداء نوح لربّه، وهو نداء استغاثة فيه شدّة وحرقة بعد أن يئس من سماعهم دعوته من بعد أن جرّب معهم كلّ أساليب الدعوة، فلم تزدهم إلاّ عنادا ونفورا، وتتابعت أجيالهم على ذلك الموقف، وفي نهاية المطاف هدّدوه بالرجم مما حدا به إلى أن يدعو الله لهم بالهلاك والاستئصال فقال: (رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، اِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا) (نوح:26 - 27).
(فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ): تفريع على الجملة الأولى مع "لام" الابتداء للتأكيد، و"نِعْم" للمدح، والمخصوص بالمدح تقديره: نحن، بصيغة الجمع للتعظيم، وتقدّر بعد "فاء" التفريع جمل محذوفة تفهم من السياق، والتقدير: فاستمعنا نداءه وأجبنا دعاءه، ونجيناه وأهله … إلخ. (أَمَّنْ يُّجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) (النمل:62). قالت عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله إذا صلى في بيتي مرّ بهذه الآية: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ): قال: «صدقت ربنا، أنت أقرب من دُعي، وأقرب من نُوجي، فنعم المدعوّ ونعم المعطي، ونعم المسؤول، ونعم المولى أنت ربّنا ونعم النصير»(1).
(1) 1 - عزاه السيوطي في الدر المنثور لابن مردويه من حديث عائشة، 12/ 421.