نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الصّافّات

الجزء ١٤ · صفحة ٤١٠

وبعد ذلك الإجمال البليغ لأطراف القصّة فصّل الله أوجه تلك الاستجابة بما أنعم عليه فقال:

أ) - (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ): التنجية والإنجاء أن تخلّص أحدا من ضرّ واقع، فيحظى بالسلامة قبل الوقوع فيه، فالتنجية وقعت لنوح وأهله، وهم ذريته المؤمنون به، سام وحام ويافث، وكذا من آمن به من غيرهم، وتقول الرواية أنهم ثمانون، وقيل: هم أقل من ذلك، لأنه تعالى يقول: (وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ) (هود:40).

و (الْكَرْبِ الْعَظِيم) بمعنى الغمّ الشديد، ويراد به الغرق بالطوفان، وذلك بركوبهم السفينة التي أمره الله بصنعها، وأن يحمل على ظهرها من كل زوجين اثنين، وقد طوى النّصّ تلك الأحداث التي جاءت مفصّلة في نصوص أخرى سيما في سورة هود.

ب) - (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ): ضمير الفصل: (هُم) وتعريف الخبر: (الْبَاقِينَ) يفيدان الحصر، مما يدلّ على أنّ من تناسل من البشر بعد الطوفان كان من ذرية نوح، أي أبناؤه الثلاثة: سام، وحام، ويافث. وأما غيرهم من المؤمنين ممن كان معهم على ظهر السفينة فلم ينجبوا بعد نزولهم منها، فقدّر الله أن يتناسل البشر من ذرية نوح وحدهم كما يدلّ على ذلك صريح هذه الآية، ولذلك سماه المؤرخون أبو البشر الثاني.

ج) - (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الاَخِرِينَ): لم يذكر الله المتروك عليه في الآخرين، وأغلب أقوال المفسّرين أنه الذكر الجميل والأحدوثة الطيّبة، إذ البشر كلهم يفتخرون بالانتساب إليه، وحسبه تشريفا وتكريما أن يخلّد الله قصته في القرآن وفي الكتب السماوية الأخرى، والمراد بـ"الآخرين" كلّ من جاء بعده من الأمم إلى يوم القيامة، والجار والمجرور: (عَلَيْهِ) يتعلق بـ (تَرَكْنَا)، وهو يتضمن معنى: أنعمنا.

٤٬٧٢٢ / ٦٬٧٦٧