سورة الصّافّات
الجزء ١٤ · صفحة ٤٣٧جاءت قصة قوم لوط مختصرة جدّا ركز الله فيها على ما أصابهم من تدمير وهلاك ليعتبر بهم مشركو مكة، إذ كانوا يمرون على قراهم المدمرة في أسفارهم إلى الشام، والقصة فصّلت أحداثها في سور أخرى سيما في سورة هود والشعراء، قال تعالى: (وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ، ثُمَّ دَمَّرْنَا الاَخَرِينَ).
أكد الله رسالة لوط إلى أهل سدوم إذ أمره الله أن ينهاهم عن الفواحش التي كانوا يرتكبونها من إتيانهم الذكران من العالمين، ولم تكن هذه الفاحشة تقترف في عهد إبراهيم، ولذلك لم يرد النهي عنها في شريعته، ولوط كان من أتباع إبراهيم ومصاحبا له في هجرته إلى بلاد الشام، فهو -إذن- نبي ورسول على اعتبار قيامه بمهمة ردع قومه عن تلك الفعلة المنكرة، ولكنهم لم يرتدعوا فقضى الله بإهلاكهم وبإنحاء لوط ومن آمن معه من أهله، إلا ما كان من ممالأة امرأته لما يفعله قومها فكانت من الهالكين.
واستعمل فعل التدمير لإفادة الخراب الكامل للشيء المدمّر بحيث لا يرجى إصلاحه، بل بمحو آثاره كلية.
(وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ): الخطاب لأهل مكة في وقت التنزيل وتعدية فعل: (تَمُرُّونَ) بـ"على"، لإفادة تمكّن ذلك المرور لمشاهدة تلك الآثار.
ومن شأن ذلك أن يثير في نفوسهم دواعي الاتعاظ والاعتبار، عساهم يكفون إذايتهم عن رسول الله وأصحابه، ولكنهم لم ينتفعوا بذلك فناسب التذييل بالاستفهام الإنكاري التوبيخي: (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)؛ لأن الاعتبار بما يقضي الله به في شؤون خلقه من السّراء والضّراء لا يتحقّق إلاّ بأعمال الإنسان لعقله الإدراكي في فهم الأسباب وتحليل الأوضاع حتى يتقى في حياته موجبات المهالك والأرزاء، ويتوخى أسباب السعادة والهناء، ولكن يقول الإمام البوصيري:
وإذا ضلت العقول على علم … فماذا تقوله النصحاء؟.