نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة ص

الجزء ١٤ · صفحة ٤٩٥

تأتي قصّتا داود وسليمان -غالبا- مقرونتين كلما ذكرت إحداهما تبعتها الأخرى كما في هذه السورة الكريمة، فبعد ذكر الأوصاف الحميدة لداود تأتي قصة ولده سليمان ليذكر الله النعم التي أنعمها عليه إذ كان شاكرا أوابا لربّه على ما كان عليه من السلطان والملك العظيم. وفي ذلك أسوة وموعظة لمن يغتر من المشركين بقوة المال والأتباع قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ).

ما أبلغ الربط بين القصتين بفعل: (وَوَهَبْنَا) لأن الولد الصالح امتداد لذكر أبيه، والرغبة في الولد فطرة إنسانية هي من الصفات البشرية في الرسل وإن كانوا من صفوة خلق الله، قال تعالى: (وَلَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمُ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) (الرّعد:38).

والهبة هي العطية التي لا يكون فيها عوض، وإضافتها إلى ضمير المتكلم العظيم هو لتعظيم شأنها، لأن الولد هو الهبة العظمى لعبده سيما إذا كان صالحا، فكيف به إذا كان رسولا ملكا وارثا لأمجاد أبيه، ولذلك جاء مدحه بالأوصاف الشبيهة بما وصف الله به والده: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ).

أ) - فوصف العبودية لله هو أشرف ما يمدح به المؤمن.

ب) - (إِنَّهُ أَوَّابٌ): هو كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة أي أنه كلما حصل له ما من شأنه أن يبعده عن الله من شواغل الدنيا تذكّر فرجع وأناب.

وبعد هذا الثناء الجميل لسليمان عرض الله حادثتين حصلتا له تقتضيان منه تلك الأوبة والرجوع إلى الله.

أ) - الحادثة الأولى: قال تعالى: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فَقَالَ إِنِّيَ أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالاَعْنَاقِ).

٤٬٨٠٧ / ٦٬٧٦٧