نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الزمر

الجزء ١٦ · صفحة ٨

لما ركز الله على معنى الإخلاص في العبادة، وأنه نفي لجميع أنواع الإشراك، وبما أن واقع الوثنين من العرب في معتقداتهم كان يشوبه كثير من الانحرافات في اتخاذ الشركاء لله، عطف على ما سبق بيان ما ابتدعه أولئك الذين اتخذوا من دون الله أولياء وقالوا ما نعبدوهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، والزلفى: اسم مصدر من زلفى إليه بمعنى دنا إليه وقرب منه، فهؤلاء يقرّون بوجود الله ويعترفون بالخالقية له، ولكنهم لسوء تصورّهم لمعنى الألوهية فابتدعوا أسطورة بنوة الملائكة لله –حاشاه- ورمزوا لهم بتماثيل كما رمزوا بذلك لكثير من صلحائهم فيما يزعمون، وتلك طريقة لم يسلم منها كثير ممن يدّعي الإسلام اليوم بتمسّحهم على قبور بعض الأولياء واتخاذها مزارات تقام لها الوعدات، وتقدّم لها القرابين، فهؤلاء وأولئك يتعللون دائما بأنهم لا يعبدون تلك المقدسات لذاتها، وإنما يتقرّبون بها إلى الله لتشفع لهم عنده، وهو إدعاء جدلّي لا يقوم على برهان من الله ولا على أثاره من علم.

ولذلك جاء الرّدّ الإلاهي حاسما بما يقضيه بين أهل المعتقدات الدينية في ما كانوا فيه يختلفون ذلك لأن البشر قد تفننوا في ابتداع نلك الانحرافات حتى أصبحت مثار خلاف بينهم يؤدّي بهم –أحيانا- إلى الصراع والتناحر، والله وحده يقضي بينهم بحكمه يوم القيامة، فليس على رسل الله إلا أن يبينوا للناس طريق الهدى بالوسائل الإقناعية، وإلى الله الحكم والفصل وأما حالهم في الدنيا قد رضوا لأنفسهم طريق الضلال والكفر بعد أن بين الله لهم على أيدي رسله طريق الهدى فنبذوه بكذبهم على الله وبقوا على كفرهم، لأن هداية الله تكون جزاء على التوبة والأمانة والإخلاص لله تعالى.

(لَوَ اَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَّتَّخِذَ وَلَدًا لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ):

٤٬٨٥٨ / ٦٬٧٦٧