سورة الزمر
الجزء ١٦ · صفحة ٧٩الخطاب لرسول الله وهو قدوة الدعاة في مراعاة أحوال المدعوين رأفة ولينا ومحاولة للتأثير والاستجابة، ونحن نعلم مدى حزنه على إعراض قومه خشية أن يحيق بهم غضب الله وكيف كان الله يسلّيه ويرشده أن يفوّض الأمر إليه في الحكم بينهم، فكان هذا النداء الربّاني لعباده من خلال أمره لرسوله من شأنه أن يفتتح باب الرجاء ويخطّ مسالك النجاة لأولئك الذين أثقلتهم وطأة الوعيد فيواسيهم وينعش في نفوسهم الأمل، ولعلّ ما روي من أسباب النزول لهذه الآية يوضّح تلك الحالة النفسية التي كان عليها المخاطبون، فقد روى الشيخان: البخاري ومسلم عن ابن عباس أن أناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة "يعني بعد أن سمعوا آيات الوعيد لمن يعمل تلك الأعمال" فنزل: (وَالذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا-اخَرَ): (68 - 70) إلى قوله: (اِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا) من سورة الفرقان ونزل: (قُلْ يَا عِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ) والمنادى بصفة العبودية المضافة إلى ضمير الجلالة تأتي في القرآن –غالبا- للمؤمنين، ويبدو أن المراد الأصلي به هنا هم المشركون لما ورد في سبب النزول وإن كان يشمل العصاة من المسلمين، لأن منهم من يمعن في المعاصي ويساوف في التربة حتى يؤدي به ذلك -أحيانا- إلى اليأس من رحمة الله، نهاهم الله عن ذلك بقوله: (لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ): أي لا تيأسوا من مغفرته وعفوه، ثم علل ذلك النهي بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).