سورة غافر
الجزء ١٦ · صفحة ١٠٥(حم): يقال في حرفي: (حم): ما قيل في الحروف المقطعة في أوائل السور الأخرى في التنبيه على إعجاز القرآن وسحر بيانه وتحدّى المشركين أن يأتوا بمثله مع أن نظمه كان من حروف البينة العربية التي ينطقون بها، وإذ عجزوا عن الإتيان بمثله فذلك دليل على أنه منزل من عند الله، ولم يفتره الرسول من عنده، وتنزيله من لدن العزيز العليم، فالتنزيل يكون من الأعلى إلى من هو دونه ومن دلائل علوّ شأنه أنه تعالى القويّ الغالب الذي لا يقهر والعليم الذي يعلم الذرة وما هو أصفر، ثم وصف الله ذاته العلية بصفات ستّ جمعت بين الوعد والوعيد والترغيب والترهيب تمهيدا للتنديد على الكافرين لمجادلتهم في آيات الله بالباطل، فبدأ بصفتي الترغيب، فقال: (غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ): تمشيا مع أخلاقيات الدعوة في بعث الأمل لنفوس القابضين ليقبلوا على الله الذي يغفر الذنوب جميعا بعد التوبة والإنابة إلى الله لكل من استعدّ لتدارك أمره، ومن فضله تعالى أن جمع هنا بين المغفرة للذنب وقبول التوبة من الذنب حتى يكون لمن لا ذنب له، وحتى يبقى العبد المؤمن بين الخوف والرجاء أردف صفتي الترهيب والوعيد فقال: (شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ): و (الْعِقَابِ): الجزاء على الذنب، ويكون شديدا تبعا لحجم المعصية، غير أنه تعالى قد يرأف بعبده فيخففه ولذلك زاد فقال: (ذِي الطَّوْلِ): أي صاحب إنعام وتفضّل على عبده، ويطلق الطول على القدرة، والمزاوجة بين الوصفين هو للتحذير من عقاب الآخرة، ومن عذاب الدنيا.
(لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ): أي هو المعبود الحق المتفرّد بالألوهية وإليه المصير، فيه تقديم للجار والمجرور للإهتمام بقضية البعث والجزاء، والمصير هو المرجع والمنتهى لأمر الخلائق كلها.
(مَا يُجَادِلُ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ):