نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة غافر

الجزء ١٦ · صفحة ١٠٦

المجادلة هي المحاورة الكلامية على فكرة ما لإثباتها أو نفيها. وقد تكون لتقرير الحق وبيان نصاعته لنشره وتركيزه كما يفعل الأنبياء والمصلحون في دعواتهم، وذلك مطلوب ومشروع، وقد يكون الجدال في نصرة الباطل والتشويش على الحق، لمحاولة طمسه، وهو ما يقوم به المشركون وأصحاب الأهواء في كل زمان ومكان، وهو المقصود هنا، والمقصود بآيات الله هو القرآن الكريم إذ جحدوا صدقه ووصفوه بكل نقيصة تارة بالسحر وتارة بأنه من قول البشر، ولا شك أن كل ممار في القرآن كافر لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تماروا في القرآن، فإن المراء فيه كفر»(1) ولقوله تعالى: (وَإِنَّ الذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقِم بَعِيدٍ) (البقرة:176).

وبما أن أهل الكفر كثيرا ما يتطاولون بأموالهم وحظوظهم على المؤمنين المستضعفين، كما كان الوضع في مكة فقد فرّع الله على مضمون الآية السابقة قوله للرسول ولكل متمعّن في أحوال البشر: (فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ): والغرور: هو ظن الحسن في شيء وهو بضدّه والتقلب في البلاد: يراد به تصرف الكفار في أحوال تجارتهم وما هم عليه من رفاهية ونعيم، فإنه تعالى يملي لهم ويمهلهم، ثم بمقتضى سنته في خلقه ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سور ة "آل عمران": (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِيسَ الْمِهَادُ) (196 - 197).

ثم ذكر الله بما جرى للأقوام السابقين على ما كانوا عليه من قوة وبطش وذلك بعد أن لجّوا في الجدال والعناد وآذوا رسلهم فأخذهم الله بذنوبهم.

(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالاَحْزَابُ مِنم بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةِم بِرَسُولِهِمْ لِيَاخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذتُّهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ):

(1) 1 - الحديث:

٤٬٩٥٦ / ٦٬٧٦٧