سورة غافر
الجزء ١٦ · صفحة ١٩٦وكان من رحمة الله بخلقه أن لا يتركهم هملا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، وتبطرهم النعمة فلا يشكرون مسديها، وحتى لا تختل الموازين الإجتماعية الضرورية للعمران البشري يبعث الله رسله مبشرين ومنذرين يذكرون الناس بالحقائق الوجودية الكبرى بما يفرض التعادلية في حياة الناس، سيما إذا اتسعت دائرتهم العلمية في ما يعرفونه من ظاهر الحياة الدنيا، لأن العلم بدون إيمان يؤدي إلى الكفر ويطمس فطرتهم حين يقطعون علاقتهم بالخالق فيركبهم الغرور ويتجاوزون قدرهم ومكانتهم إذ تنحصر مجالات علمهم في هذه الأرض الصغيرة ويحسبون أنهم قادرون عليها، وينسون ما فوقها من الأكوان لا علم لهم بها، ولا سلطان لهم عليها، والله الخالق لهذا الإنسان المغرور يقول عنه في سؤاله عن حقيقة الروح: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء:85).
يقول الدكتور عبد الكريم بلار: معلما على هذه الآية: "إن من قلة علمنا أن جهلنا أظهر ما يكون عند البحث في الشأن الإنساني الخاصّ، فالباحثون في علم الاجتماع وفي علم النفس خاصّة يجذون طرق البحث تتشعب أكثر فأكثر كلما غذّوا السير قدما ويشعرون بهشاشة الأرض التي يقفون عليها وبتوفر عدد أكثر من الاحتمالات كلما توغلوا في مسار النفس البشرية على حين ان الباحثين في علوم الطبيعة يقيدون من أنواع الإنتشار الأفقي للمعارف المختلفة في التقدم الرأسي الحثيث في مجالات بحوثهم، والسبب في ذلك أن العنصر الروحّي ما دخل في أمر إلا عقده مما يجعل المرء يشعر أحيانا الحجز والنحاث معا وصدق الله العظيم إذ يقول: (وَفِي أَنفُسِكُمُ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) (الذاريات:21). إلى أن يقول: "لم نرد هنا نزع الثقة من العلم ولا التقليل من شأنه، ولكننا أردنا أمرين: